حين سقطت الواسطة… ونجحت الكفاءة: أمن الدولة يفرض معادلة جديدة ويكسر أعراف التوظيف السياسي

منذ أيلول الماضي، فتحت المديرية العامة لأمن الدولة باب الترشح للتطوّع برتبة مأمور متمرّن، في خطوة بدت للوهلة الأولى روتينية، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى محطة مفصلية في مسار التوظيف العام، بعدما رُسمت معالم تجربة مختلفة عنوانها: الكفاءة أولاً… وأخيراً.
مع انطلاق تقديم الطلبات، توافد آلاف المرشحين، حاملين آمالهم بدخول مؤسسة لطالما ارتبطت، في أذهان كثيرين، بمعادلات النفوذ والتوصيات. إلا أنّ المسار الذي سلكته هذه الدورة خالف التوقعات، حيث خضع المتقدّمون لسلسلة مراحل دقيقة ومتتالية، بدأت بالفحوصات الصحية الصارمة للتأكد من الجهوزية البدنية والطبية، مروراً بالاختبارات الرياضية التي عكست قدرة التحمّل والانضباط، وصولاً إلى الامتحانات الخطية التي شكّلت المعيار الحاسم في قياس الكفاءة العلمية والذهنية.
ولم تكن هذه المراحل شكلية أو عابرة، بل جرت وفق آليات شفافة ومعايير موحّدة، أُنجزت تباعاً حتى منتصف آذار 2026، حيث أُقفلت الدورة بعد استكمال كل الاختبارات، في مشهد نادر من التنظيم والدقّة ضمن مؤسسة أمنية رسمية.
غير أنّ ما ميّز هذه العملية فعلياً، لم يكن فقط صرامة الاختبارات، بل القرار الواضح بعدم الرضوخ لأي تدخلات. فقد تردّد، في الكواليس، أنّ عدداً من السياسيين والأحزاب بادروا إلى إرسال لوائح بأسماء مرشحين مدعومين، كما حاول بعض المقرّبين من العهد تمرير توصياتهم، على قاعدة ما كان سائداً في السابق. إلا أنّ هذه المحاولات اصطدمت بجدار حاسم: تجاهل كامل لأي وساطة، وتمسّك صارم بأن تكون الكفاءة وحدها معيار الاختيار.
هذا التحوّل لم يمرّ مرور الكرام. فقد أثار امتعاضاً واضحاً لدى جهات اعتادت أن تكون شريكاً غير معلن في رسم لوائح المقبولين، ما خلق حالة من النقمة والعتب، خصوصاً أنّ طلباتهم، التي كانت تُلبّى في مراحل سابقة، لم تجد هذه المرة أي صدى.
لكن، في المقابل، شكّلت هذه التجربة بارقة أمل لشريحة واسعة من الشباب اللبناني، الذين رأوا فيها فرصة نادرة لإثبات جدارتهم بعيداً عن منطق المحسوبيات. فحين تتكافأ الفرص، يصبح الانتماء الوحيد هو للكفاءة، ويغدو النجاح نتيجة طبيعية للجهد، لا ثمرة للواسطة.
هكذا، بين أيلول وآذار، لم تكن مجرد دورة تطويع عادية، بل اختباراً حقيقياً لإمكانية قيام دولة المؤسسات. اختبارٌ يبدو أنّ أمن الدولة نجح فيه، واضعاً سابقة قد يصعب تجاهلها، أو العودة عنها بسهولة
