“اتفاق النوايا” ومأزق نتنياهو… ولبنان “الرهينة”

كتب رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ :
لا شك أن كل الأوضاع تشير إلى أن “اتفاق النوايا” بين واشنطن وطهران يأتي في سياق “المصلحة المشتركة” الأميركية-الايرانية للخروج من حرب ترهق الطرفين وتقحم العالم مجتمعا في أزمة اقتصادية كبيرة وتفتح المجال على مجاعات وأوبئة وصراعات وسقوط أنظمة سياسية. وكما يقول المثل الشعبي”الحاجة أم الإختراع”. أي هناك حاجة دولية واقليمية “لاتفاق النوايا”. ووحدها اسرائيل في هذا العالم المترامي الأطراف لا تريد مثل هذا الإتفاق لأنه يكسر طموحها في دولة عظمى وفي “عالم ابراهيمي” مترامي الأطراف وفي هيمنة عسكرية واقتصادية ومالية على دول المنطقة ورهان على تفككها وصراعات مكوّناتها واتنياتها وأقلياتها.
و”اتفاق النوايا” يكسر المعادلة الأميركية التي كانت قائمة مع أهداف الحرب على ايران والتي تقول بإضعاف الجمهورية الإسلامية واستتباعها وما يؤدي إلى إضعاف الصين وقطع طريق الحرير وإبقاء الولايات المتحدة “سيدة العالم” إلى فترة طويلة. ولعل هذه الحقيقة كانت وراء مشاركة كل من روسيا والصين بإمداد ايران بالأسلحة والأنظمة الصاروخية والمعلومات الإستخبارية وبتعاون من باكستان وكوريا الشمالية لأهداف تخص هذه الأنظمة التي تنوب عنها ايران عمليا في مواجهة الحلف الأميركي-الاسرائيلي الذي يواجه حاليا أزمة فعلية بحكم تحكّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتفرّده بالمسار الأميركي-الايراني وعدم أخذه في الإعتبار للتحفّظات والإعتراضات الاسرائيلية لتغليبه لسياسة أميركية-أميركية على سياسة أميركية-اسرائيلية تبنّاها عند بدء الحرب وطرح الأهداف المشتركة منها بينه وبين رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو.
لقد أدرك الرئيس دونالد ترامب أن نتنياهو استدرجه إلى حرب اعتبرها “نزهة قصيرة” فإذا هي حرب استنزاف طويلة عقّدت المشهد العالمي وأدخلت واشنطن في متاهات كثيرة كما عمّقت من الإنقسام الداخلي الأميركي إضافة إلى “فجوات” في فريق البيت الأبيض وفي المقاربة الأمنية لأجهزة المخابرات وفي نتوءات في الحزب الجمهوري وتحفّظات من بعض أعضاء الكونغرس التابعين له. ومن هنا حسابات الرئيس دونالد ترامب هي أن “اتفاق النوايا” هو المدخل الحقيقي لتخفيف الخسائر الأميركية وإعادة الإستقرار للبورصة ولتدفّق النفط والغاز وتراجع الأسعار وإيجاد فرص استثمار جديدة للشركات الأميركية المتعددة الجنسية. وقد يكون ذلك في تفكير منه باستثمار مشترك بينه وبين ايران في العراق وحتى داخل الجمهورية الإسلامية. ومثل هذه الحسابات الأميركية المتضرر الأول فيها بنيامين نتنياهو الذي يراهن في ما يراهن عليه هو التصعيد العسكري في الجنوب اللبناني والسيطرة على المزيد من الأراضي اللبنانية والسورية باعتباره يمتلك هامشا من الوقت الضيّق حتى بعد التوقيع على “اتفاق النوايا”. وأما تعطيل هذا الرهان الاسرائيلي فيقتضي إنتاج مرونة ايرانية من مراكز القرار الايراني التي تتوزع بين المرجع الروحي آية الله السيد مجتبى خامنئي ومجلس الأمن القومي والحرس الثوري والجنرال أحمد وحيدي.
وحقيقة الأمر الضغط كبير على بنيامين نتنياهو في الاقليم وفي الداخل الاسرائيلي. فلا تركيا تتيح له حرية الحركة في سوريا. ولا ايران تتخلى عن فكرة إنهاء الحرب في لبنان. ولا هو يستطيع معاكسة الرئيس ترامب والذي كان يمتدحه طيلة الفترة السابقة. كما أن المعارضة الاسرائيلية تجد أن “لحظتها السياسية” قد حانت في انتخابات ترجح كفتها… وهكذا لا يملك نتنياهو من جديد أي فرصة حقيقية جدّية لما أبداه من اعتراضات على “اتفاق النوايا” إلا في إعاقة هذا الإتفاق ومحاولة كسره. وهذا أمر مستبعد في حسابات الطرفين الأميركي والايراني.
عبد الهادي محفوظ
