تصعيد ترامب وثوابت عون وقراءة قداسة البابا

كتب رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ :
يصعب تحديد ماذا يبغي التصعيد الأميركي العسكري على ايران. إذ ثمة إجماع من المراقبين السياسيين للتطورات أنه من دون ’’هدف نهائي‘‘. وحتى الحزب الديموقراطي الأميركي المعارض يأخذ على الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه لا يعرف ماذا يريد ويطالبه بإعادة القوات الأميركية إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل فوات الأوان باعتبار أنه أساء إلى صورة أميركا في العالم. ومع ذلك يترك سيد البيت الأبيض لنفسه ’’مخرجا‘‘ لتبرير التصعيد العسكري بـ’’تقويض قدرة ايران على تهديد الملاحة التجارية في مضيق هرمز‘‘. ويستدل على ذلك بكلام له بأن الولايات المتحدة الأميركية تؤمّن 70% حاليا من النفط عبر السفن التي تعبر مضيق هرمز. وهو كلام بالتأكيد قد يكون مبالغا فيه. إذ أن الحرس الثوري يؤكد في المقابل سيطرته الكاملة على المضيق واستهداف ناقلات النفط التي تعبر من الممر الجنوبي الملاصق لدولة عمّان. كما تشير البيانات الايرانية إلى أن ’’نقطة نفط واحدة لا يُسمح بمرورها من دون إذن الحرس الثوري وموافقته ومن الممر الايراني بالذات‘‘.
ما يلفت النظر حاليا هو التصعيد العسكري الأميركي على امتداد الساحل الايراني وجزره وباتجاه العمق الايراني. ويوازي ذلك استخدام ايران لصواريخ متطوّرة ومن نوعيّة جديدة لا تستطيع أنظمة الدفاع الجوي الأميركية التحكّم بها ما أربك حسابات القيادة المركزية الأميركية التي يبدو أنها تفتقر إلى ’’الصواريخ الباليستية فيما لو امتدت الحرب إلى فترة طويلة وما لم يكن لدى الرئيس الأميركي ’’البدائل‘‘.
القريبون من الحبر الأعظم قداسة البابا لاون الرابع عشر يلمّحون بأنه يأخذ على الرئيس ترامب تفكيره التجاري وهوسه بمراكمة المال. ويقول هؤلاء ’’بعد فترة على الهجوم الكلامي لترامب على قداسة البابا اتصل به هاتفيا وتحدث إليه بلهجة ودودة‘‘. وكان جواب البابا له ’’قد أنتظر سنتين لأبادرك بصباح الخير…‘‘. ويفسّر هؤلاء بأن البابا الذي هو من أصل أميركي يعترض على الحرب الأميركية في ايران وعلى الممارسات الاسرائيلية في الجنوب اللبناني ومطامع نتنياهو بأرضه ومائه ونفطه البحري وبتفكيك بنيته الداخلية وإثارة النعرات فيه. ومن هنا يلتقي البابا مع المعارضين في ’’الداخل الأميركي‘‘ لظاهرة خوض الحروب الأميركية في الخارج. وخصوصا أنه يملك وزنا هاما في توجيه مكوّن أميركي أساسي هو ’’الكاثوليك‘‘. وهكذا في الموضوع اللبناني يتفهّم البابا ثوابت الرئيس العماد جوزاف عون في التفاوض وتحفظاته التي خبّر عنها في لقاءاته في واشنطن واعتباره أن اقتراب لبنان من الخيار الأميركي لبنانيا مربوط بالضغط الأميركي على اسرائيل للإنسحاب من الجنوب ودعم المؤسسة العسكرية اللبنانية والإعتراض على أي دور عسكري لسوريا في لبنان… واستطرادا ترك معالجة سلاح حزب الله لحوار داخلي لبناني.
ومخاوف الرئيس عون حاليا هي في مكانها. ذلك أنه يدرك تماما أن رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو ’’يناور‘‘ ويتمهّل ويكسب الوقت كونه يستفيد من ’’غموض‘‘ مصير الوضع في التصعيد الأميركي-الايراني وهو تصعيد في جانب منه هو نوع من ’’التفاوض بالنار‘‘ غير مضمون النتائج ولا يستتبع تفاوضا ديبلوماسيا قريبا طالما لا زالت الحسابات العسكرية هي المهيمنة واضعة ’’مذكرة التفاهم‘‘ جانبا. من هنا تهيأ الرئيس اللبناني لكل الأسئلة الصعبة التي يمكن أن توجهها إليه الإدارة الأميركية وتحديدا الرئيس دونالد ترامب. فهو يعرف سلفا أن موقع لبنان هو ضعيف وخصوصا أن سيد البيت الأبيض سيطالبه بخريطة طريق على نمط ما جرى مع رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي والرئيس السوري أحمد الشرع. وهكذا الجواب اللبناني هو في خريطة طريق ترتكز إلى بناء الدولة لا في استدراج لبنان إلى ’’تحالفات‘‘ تورّطه في انقسام لبناني داخلي وإلى استدراجه في حرب اقليمية خصوصا وأن شبكة النار تتوسع بأكثر من اتجاه تحرص فيه حتى الدول الخليجية أن تبقى على الحياد مترددة بين الخيارات الأميركية والخيارات الايرانية.
واقع الأمر ثوابت الرئيس العماد جوزاف عون وتحفظاته تفترض أن تؤخذ في الإعتبار من المكوّنات اللبنانية على اختلافها بما فيها حزب الله. فالضغط الأميركي على نتنياهو ليس ضارا بلبنان. وهذا ما حصل عليه الرئيس عون من الرئيس ترامب. انتشار الجيش اللبناني مع انسحاب متدرّج اسرائيلي مصحوبة بمماطلة اسرائيلية. وتبقى العبرة في المدى الذي تصل إليه الضغوط الأميركية على نتنياهو.
عبد الهادي محفوظ
