متفرقات

المحروقات تحرق جيوب اللبنانيين: الأسعار تقفز والشارع يستعدّ للتصعيد

لا تخطط مايا فارس (41 عاماً) لتعبئة خزان مازوت التدفئة هذا الشتاء. فمع تجاوز سعر صفيحة المازوت 31 دولاراً، بات عليها تأمين نحو 800 دولار لتعبئة خزان يكفي لنحو شهر ونصف الشهر، بعدما كانت تدفع العام الماضي نحو 400 دولار للكمية نفسها.

وتقول فارس لـ«الشرق الأوسط» إنها ستعتمد هذا الشتاء على التدفئة بالغاز، مع اللجوء إلى التقنين قدر الإمكان، مضيفة: «الأوضاع المعيشية بلغت مستويات غير مقبولة على الإطلاق، مما يدفع بالقسم الأكبر من اللبنانيين إلى ما دون خط الفقر».

وفي وقت تتأثر فيه دول عدة حول العالم بأزمة المحروقات الناجمة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز، يبدو لبنان من بين الدول الأكثر تأثراً، في ظل اعتماده شبه الكامل على استيراد المحروقات، فضلاً عن الضرائب المفروضة على القطاع. ويذهب نحو 20 في المائة من سعر صفيحة البنزين، البالغ حالياً 31.7 دولار، إلى خزينة الدولة على شكل ضرائب.

أرباح الشركات المستوردة تحت المجهر

ويقول الباحث محمد شمس الدين إن «تجمع الشركات المستوردة للنفط في لبنان يستورد سنوياً نحو 250 مليون صفيحة مازوت و150 مليون صفيحة بنزين»، مقدراً أرباح الشركات بنحو 250 مليون دولار سنوياً.

ويلفت شمس الدين إلى أنه «منذ مارس (آذار) الماضي، ومع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، استغلت هذه الشركات الأمر فرفعت الأسعار بنسبة تفوق ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وعندما تنخفض الأسعار لا تخفض أسعارها»، معتبراً أن ذلك مكّنها، بحسب تقديراته، من تحقيق أرباح بلغت نحو 750 مليون دولار، وقد تصل إلى مليار دولار بنهاية العام الحالي.

تحذيرات من إضرابات وتحركات

ولا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار المحروقات على البنزين ومازوت التدفئة، بل تمتد إلى مختلف القطاعات، وفي مقدمها قطاع المولدات الكهربائية الخاصة، الذي يؤمّن الجزء الأكبر من حاجات اللبنانيين إلى الكهرباء في ظل محدودية التغذية من الشبكة الرسمية.

ويستهلك قطاع المولدات ما بين 60 و80 في المائة من إجمالي كميات الديزل التي يستوردها لبنان سنوياً، ما انعكس ارتفاعاً في الفواتير الشهرية التي يدفعها المواطنون لأصحاب المولدات.

وفي ظل تصاعد الضغوط، أعلنت هيئة مكتب «المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام» مطلع الأسبوع الحالي حالة «طوارئ اقتصادية»، ودعت إلى اجتماع السبت، يُرجح أن يخرج عنه قرار بإعلان إضراب تحذيري وتنظيم اعتصامات وتحركات في مناطق عدة الأسبوع المقبل، احتجاجاً على الأوضاع المعيشية والمطالبة برفع الرواتب وبدل النقل.

وبحث رئيس الجمهورية جوزيف عون، الثلاثاء، مع رئيس مجلس إدارة «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي» بشارة الأسمر، الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتأزمة. وقال الأسمر بعد اللقاء إنه طالب بتشكيل «خلية اقتصادية وزارية» لمتابعة الضغوط المعيشية، والإسراع في عقد «لجنة المؤشر» وزيادة بدل النقل.

وأوضح الأسمر لـ«الشرق الأوسط» أنه تواصل مع معظم المسؤولين اللبنانيين، إضافة إلى رئيس الحكومة الموجود في نيويورك، مشيراً إلى أن الأخير أوعز بتشكيل هذه الخلية.

بدورها، طالبت نقابة المعلمين بـ«مضاعفة بدل النقل بما يتناسب والارتفاع الكبير في تكلفة المعيشة والتنقل»، داعية وزير المالية إلى اتخاذ «خطوات عملية عاجلة»، ومحتفظة بحقها في الدعوة إلى تحرك نقابي في حال عدم الاستجابة لمطالبها.

كما لوحت «نقابة مستخدمي وعمال مياه لبنان الشمالي» بالتصعيد، مؤكدة أن «المطالب المعيشية خط أحمر».

ارتفاع المحروقات يطال الاقتصاد بأكمله

ويشرح البروفسور مارون خاطر، الكاتب والباحث في الشؤون المالية والاقتصادية، أن ارتفاع أسعار المحروقات «لا يعني حصراً زيادة تكلفة التنقل، بل يرفع تكلفة الاقتصاد بأكمله».

فالوقود، وفق خاطر، يدخل في نقل الأشخاص والبضائع وتشغيل المولدات والمصانع والأفران والمستشفيات وعمليات التبريد، «لذلك لا تتوقف الصدمة عند محطة الوقود، بل تنتقل عبر سلاسل التوريد إلى أسعار معظم السلع والخدمات».

ويذكّر خاطر بأن لبنان يستورد تقريباً كامل حاجته من المشتقات النفطية، ما يجعل اضطرابات الملاحة وإمدادات النفط تهديداً مباشراً لتكلفة الاستيراد وانتظام الإمدادات.

ولا يواجه لبنان هذه الصدمة، بحسب خاطر، «من موقع اقتصادي طبيعي»، بل في ظل أزمة نظامية ممتدة منذ عام 2019، أدت إلى فقدان الليرة معظم قيمتها وتراجع القدرة الشرائية للأجور، في حين بقيت النفقات الأساسية مقومة بالدولار أو مرتبطة به.

الضرائب تضيف إلى كلفة المحروقات

ويرى خاطر أن الوضع أكثر تعقيداً بسبب الاعتماد الكبير على النقل الخاص وغياب شبكة نقل عام فعالة، إضافة إلى أزمة الكهرباء المستمرة التي جعلت المواطنين والشركات أمام فاتورتين، واحدة للدولة وأخرى للمولدات الخاصة.

ويضيف أن العبء الضريبي المباشر يزيد الضغط أيضاً، موضحاً أنه من أصل نحو 31 دولاراً يدفعها اللبناني ثمناً لصفيحة البنزين، تذهب قرابة 6.4 دولار إلى الخزينة، أي نحو 20.5 في المائة من السعر النهائي.

ويتوزع هذا المبلغ، وفق خاطر، بين رسم ثابت قدره 300 ألف ليرة، يعادل نحو 3.35 دولار، وضريبة على القيمة المضافة بنسبة 11 في المائة، توازي نحو 3.1 دولار.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى