الخولي: اتفاق بدل النقل مسكّن موقت على حساب العامل

اعتبر رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان مارون الخولي في بيان أن “الاتفاق الذي تم التوصل إليه أمس في وزارة العمل بين الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية، ولا سيما في ما يتعلق ببدل النقل، لا يرقى إلى مستوى المعالجة الجدية للأزمة المعيشية التي يرزح تحتها العمال وذوو الدخل المحدود، بل يشكل مسكّناً موقتاً ينتهي مفعوله سريعاً، فيما يبقى أصل المشكلة من دون معالجة”.
وقال :” إن أخطر ما في هذا الاتفاق هو الانتقال من قاعدة احتساب بدل النقل على أساس 7 ليترات من البنزين يومياً، وهي القاعدة التي ناضلت الحركة النقابية من أجل تثبيتها منذ تسعينيات القرن الماضي، إلى 5 ليترات فقط، مع وضع سقف للبدل عند نحو 800 ألف ليرة”، معتبراً أن “ذلك يعني عملياً انتزاع جزء من حق العامل في كلفة انتقاله اليومية إلى مكان عمله”.
وأوضح أن “بدل النقل ليس منحةً أو زيادةً اجتماعيةً يمكن التفاوض على خفضها متى شاءت الهيئات الاقتصادية، بل هو تعويض عن كلفة فعلية يتحملها العامل للوصول إلى عمله، وقد نشأت قاعدة الليترات السبعة أصلاً على أساس اقتصادي مرتبط بكلفة المحروقات والمسافة وغياب النقل العام الفعّال، وبالتالي فإن تعديلها يجب أن يستند إلى دراسة علمية حديثة لكلفة التنقل، لا إلى تسوية مالية تفرضها موازين القوى على طاولة التفاوض”.
وأشار إلى أن “تثبيت بدل النقل عند سقف نقدي يصبح أكثر خطورة مع ارتفاع أسعار المحروقات، إذ إن العامل سيخسر تلقائياً من القيمة الحقيقية لهذا التعويض كلما ارتفع سعر البنزين، بحيث لا يعود مبلغ الـ800 ألف ليرة يعادل حتى كلفة خمسة ليترات يومياً إذا تجاوز سعر صفيحة البنزين مستوى الـ31 دولارًا”.
ولفت إلى أن “الحساب الاقتصادي لهذا الاتفاق يكشف بوضوح حجم الخسارة الواقعة على العمال، إذ إن خفض قاعدة الاحتساب من 7 إلى 5 ليترات يعني أن العامل يخسر يومياً ما يعادل نحو ليترين من البنزين، أي ما يقارب 3.5 دولارات يومياً، ونحو 91 دولاراً شهرياً وفق عدد أيام العمل المعتمد في الحساب، فيما تتحول هذه الكلفة إلى وفر سنوي كبير على أصحاب العمل، في وقت يعاني فيه العامل أصلاً من تآكل الأجر الحقيقي وانهيار قدرته الشرائية”.
ورأى أن “المسألة لا يمكن اختزالها في رقم جديد لبدل النقل، لأن البدل مرتبط مباشرة بالأجر الحقيقي وبكلفة الوصول إلى العمل وبالإنتاجية وباستمرارية العامل في سوق العمل، وأي انتقاص منه يعني عملياً تحميل العامل جزءاً إضافياً من كلفة تشغيل المؤسسة، بما يوسع فجوة الفقر ويعمّق عدم المساواة الاجتماعية”.
وأكد أن “العمال لا يرفضون أي زيادة في التعويضات العائلية أو أي تحسين يصب في مصلحتهم، لكن لا يجوز تمويل أي زيادة اجتماعية من جيب العامل نفسه أو تقديمها للرأي العام على أنها إنجاز بينما يجري في المقابل اقتطاع حق ثابت من بدل نقله”.
وقال الخولي: “ما يهمنا اليوم وقف سرقة العامل وإعادة حقه. لن نعلّق على باقي بنود الاتفاق قبل حسم جوهر القضية، لأن حق العامل في الوصول إلى مكان عمله ليس مادة للمساومة ولا رقماً يمكن تخفيضه تحت ضغط الاختلال الاقتصادي”.
وشدد على أن “المطلوب إعادة تثبيت قاعدة السبعة ليترات من البنزين يوميًا، على أن تتم مراجعتها دورياً وفق مؤشرات علمية وموضوعية تشمل سعر المحروقات، وكلفة النقل، والمسافات، وغياب النقل العام، بدلاً من تثبيت مبلغ نقدي يفقد قيمته تلقائياً مع التضخم وارتفاع أسعار البنزين”.
وأوضح أن “قاعدة السبعة ليترات لم تأتِ من فراغ، بل ارتبطت عند إقرارها في التسعينيات بمعطيات اقتصادية وكلفة فعلية وواقع نقل مختلف، فيما أصبح الوضع اليوم أكثر قسوة، مع غياب شبه كامل لبدائل النقل العام وارتفاع كلفة التنقل بصورة غير مسبوقة. وبالتالي، فإن المنطق الاقتصادي السليم يفرض إعادة احتساب الكلفة وفق الواقع الحالي، لا العودة إلى الوراء وتقليص التغطية من سبعة ليترات إلى خمسة”.
وانتقد “طريقة إدارة المفاوضات”، معتبراً أن “الهيئات الاقتصادية لا يجوز أن تتحول إلى قوة هيمنة على القرار الاجتماعي أو أن تستأثر بطاولة التفاوض وكأنها الطرف الوحيد القادر على تحديد سقف حقوق العمال”. وقال: “المشكلة ليست فقط في رقم الخمسة أو السبعة ليترات، بل في فلسفة التفاوض نفسها. عندما يجلس العامل أمام منظومة اقتصادية تملك القدرة المالية والتأثير، من دون تحقيق توازن حقيقي في تمثيل المصالح، تصبح النتيجة حكماً على حساب الطرف الأضعف. وما حصل هو أن الهيئات الاقتصادية تمكنت، في لحظة انهيار نقدي واجتماعي واختلال عميق في موازين القوى، من تحويل جزء من حق العامل إلى وفر على كلفة أصحاب العمل”.
وختم بالتأكيد أن “العدالة الاجتماعية لا تتحقق بتجميل الأرقام، ولا بإعلان زيادات اسمية بينما تتآكل القيمة الحقيقية لدخل العامل”، داعياً إلى “إعادة النظر بالاتفاق لناحية بدل النقل، واعتماد قاعدة السبعة ليترات كحد أدنى، وربطها بمؤشر اقتصادي واضح وقابل للتحديث، بالتوازي مع وضع سياسة وطنية للنقل العام تخفف كلفة التنقل عن العمال والمواطنين
