متفرقات

طقوسٌ مشتركة في سبت النور!

في سياقه اللبناني، يشكّل أسبوع الآلام وعيد الفصح أكثر من حدث ليتورجي أو مناسبة روحية. إنّه زمن تلتقي فيه النصوص الدينية مع الطقوس المحيطة بها، بدءاً برتبة الغسل في يوم الخميس، إلى مواكب النعش في الجمعة، وحتى قرع أجراس القيامة، لتعيد إنتاج تلك البنية الاجتماعية حول هذا الزمن الكنسيّ. فلا يعود الألم يُقرأ في الكتاب فقط، بل يُعاش في الأزقّة ومواكب الجلجلة التي تمسرحه، في الترانيم التي تتماوج بين الحزن والرجاء، وفي الروائح التي تنبعث من المنازل، لتتقاطع السماء مع الأرض، ويتداخل الكنسي بالزمني، والروحي بالعائلي، ويعيد ترتيب علاقتنا بما هو أعمق من التفاصيل… فكيف يعيش اللبنانيون هذه المرحلة؟ وما الذي بقي من طقوسها، وما الذي تغيّر؟

“في خميس الأسرار، تحتفل الكنيسة البيزنطية، الأرثوذكسية والملكية الكاثوليكية، بطقس رمزي يُعرف بـ “غسل المذابح”، حيث تُعطَّر الأواني المقدسة وتُفرش المذابح بشراشف جديدة، في فعل يرمز إلى قداسة الإفخارستيا وتجدّدها”، وفق الأب الملكي إلياس إبراهيم. “يُشكّل هذا الطقس، كما سائر طقوس أسبوع الآلام، جزءاً من “مسرحة” النصوص الإنجيلية، التي تتجسّد في الطقوس ويعاد تمثيلها في الحياة اليومية للمؤمنين. غير أن هذه “المسرحة” تبدأ منذ أحد الشعانين، مع ترانيم الختن التي تُتلى لثلاثة أيام، ثم رتبة قنديل الزيت في الأربعاء المقدّس، وهي رتبة مشتركة مع الكنيسة المارونية، رغم وجود اختلافات ليتورجية بين الكنيستين”.

يُعدّد الأب إبراهيم الفوارق الأخرى بين الكنيستين لا سيّما تلك التي تظهر في الجمعة العظيمة، “ففي الكنيسة البيزنطية، الملكية الكاثوليكية والأرثوذكسية، لا يغيب فرح القيامة حتى في يوم الحزن، إذ تُرتَّل أناشيد مثل: “أنظرن اللحد فإن المخلص قد قام من القبر”، فيما يرتدي الكهنة والمطران الثياب البيضاء أو الذهبية بدلاً من السوداء، وكذلك يُزيّن المذبح بالحلّة البيضاء، في دلالة على القيامة الكامنة وسط آلام الصلب”.

هذه الفوارق تظهر بين الكنيسة الكاثوليكية، الملكية والمارونية من جهة، والكنيسة الأرثوذكسية من جهة ثانية في خميس الأسرار، من خلال الليتورجيا “الشعبية” التي تحيي زيارة الكنائس السبع مرّة في السنة. لا تمارس الكنيسة الأرثوذكسية هذه العادة إلا في زحلة. ففي المدينة التي تخطّى فيها عدد الكنائس الخمسين، تشرع أبواب كنيسة سيدة الزلزلة الأرثوذكسية التي تحضن جزءاً من تاريخ المدينة، أمام الزوّار أيضاً، فيتوحّد الزحليون خلف هويّتهم المسيحية، بغض النظر عن تنوّع مذاهبهم.

زيارة الكنائس السبع لزحلة

تتقاطع الطقوس الدينية مع النسيج الاجتماعي والعمراني لزحلة في هذا اليوم. فتغصّ مسارات الكنائس بين الأدراج والأزقة، أو ما يُعرف بالـ “زواميق” بالزوّار، في مشهد يُجدّد روح زحلة وهويّتها.

يشرح الأب إلياس إبراهيم “أن هذا التقليد ربّما دخل زحلة مع الآباء اليسوعيين في القرن التاسع عشر، لكن ما عزّز حضوره هو كثافة الكنائس فيها، والذي يتيح إتمام الزيارة مشياً، خلافاً لما يحتاجه الانتقال بين القرى من استخدام السيارات”.

ماذا تعرفون عن الزنكل والـ “ليفيك”

أدرجت زيارة الكنائس السبع من ضمن خطة للجذب السياحي أطلقت عبر مجموعة “ب-زحلة” مؤخراً، كما طوّر الزحليون في الأعوام الأخيرة هذه العادة، نحو تظهير تقاليد أخرى، بعضها إلى أفول. وأخذت المبادرة مجموعة “ع دروب زحلة” بحماس وتعاون من البلدية، فصارت لها محطة سنوية وسط “سوق البلاط”، أقدم أسواق المدينة، التي رمّم جزء منها أخيراً، من خلال إحياء طبق “الزنكل” الذي يطبخ مرة كل سنة بنهار الجمعة العظيمة.

كلمة الزِنكل مشتقة من “زَنكل” أي صار معه أموالاً، وهي تذكّر بيهوذا عندما باع المسيح بثلاثين فضةً، والتي ترمز إليها حبات دائرية مصنوعة من البرغل والحمص. في الطبق قلية بصل وخل، وحموضته ترمز لمرارة الكأس التي أعطيت للمسيح عندما كان عطشانَ.

ارتبط هذا الطبق قديماً بطبيعة الحياة الريفية. إذ كان يقال “إذا ما في ضاني عليك بالحمصاني”. وهذا ما جعل الطبق تقليداً في أكثر من بلدة بقاعية، لا سيّما في الشريط المسيحي لقرى البقاع الغربي، حيث تختلف طريقة إعداده، فتقلى العجينة مع بصل وتوضع في دبس الحصرم أو الرمان بدلاً من الخل أو الحامض.

للأرمن الأرثوذكس طبق مشابه، تخبرنا عنه أربي منغاساريان رائدة أعمال شيّدت مطعمها الخاص الذي يعنى بحفظ تراث المطبخ الأرمني. وهو يتكوّن من خلطات حبوب مثل الفاصوليا، العدس، الحمص، والقمح المقشور، يُطهى مع الخل ويُضاف إليه ما يعرف بالأرمنية بـ “ليفيك”، وهي ورقة خضراء تعطي الطبق حموضة تذكر بمرارة “الكأس” أيضاً.

المسيح ليس في الكتب فقط

بعيداً من تقاليد الموائد، يسلّط الأب إلياس إبراهيم الضوء على بعض العادات التي تحافظ عليها المجتمعات البقاعية، مثل “ارتداء الأسود في يوم الجمعة العظيمة، ومشاركة النساء في مسرحية حادثة تطييب الجثمان بحمل العطور والمطيّبات. كما تُزيّن الكنيسة بورق الغار في سبت النور، وهو رمز لانتصار الكنيسة بالحياة الأبدية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى