التنافس السياسي الماروني يهدد مستقبل الطائفة

تتزايد القناعة بين العديد من المفكرين “وعقلاء” الطائفة المارونية في لبنان بأن استمرار التنافس غير المنظم بين الزعماء الذين يهيمنون على الطائفة منذ نحو خمسين عامًا سيؤدي حتمًا إلى تدهور أكبر في وضعها السياسي. بل إن هذا التنافس قد يكلّف الطائفة أثمانًا باهظة، قد تصل بها إلى مرحلة تستجدي فيها حقوقها في نظام الحكم في لبنان، الذي تم رسم حدوده في زمن الاستعمار الفرنسي الذي أراد منه أن يكون نقطة انطلاق له في شرق المتوسط.
ومع تراجع تأثير الاستعمار تدريجياً، الذي أصبح شبه متلقٍ لما تفرضه السياسات الأميركية المتزايدة في المنطقة، فإن “الطفل المدلل” يتعرض لانهيار متسارع، حيث ينتقل من التأثير الفرنسي إلى الهيمنة الأميركية التي بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي، والتي حولت الكيان الإسرائيلي إلى القوة الرئيسية في المنطقة، مما يترجم حالياً في عبارة “دخول المنطقة في العصر الإسرائيلي”.
ومن المعروف أن التاريخ يعلّمنا أنه “عند تغيير الدول، احفظ رأسك”، وهو ما لم يستوعبه معظم الزعماء الموارنة، الذين اعتمدوا في سياساتهم على مقولة “… ومن بعدي الطوفان”، دون التفكير في مستقبل طائفتهم التي بدأت تفقد تأثيرها المحوري في الحياة السياسية اللبنانية لصالح طوائف أخرى كانت أقل تأثيرًا.
نتيجة لذلك، فإن تأثير الأفرقاء المسيحيين، وخاصة الموارنة، على انتخاب رئيس الجمهورية الماروني الرابع عشر يتراجع، حيث أصبحوا الأضعف بين جميع الأطراف الأخرى بسبب صراعاتهم وتشرذمهم، وعدم قدرتهم على تنسيق مواقفهم لاختيار من يمثلهم، أو لدعم شخصية قادرة على حماية وجودهم في التركيبة اللبنانية.
يظهر الموارنة في موقف المتلقي بدلًا من الفارض لمواقفهم، رغم محاولاتهم الظهور بمظهر القوة عبر وسائل الإعلام. فهم يلجأون إلى الكتل الأقل عددًا لدعم مطالبهم التي غالبًا ما تكون منبعثة من مصالح شخصية، أو يتوجهون إلى السفارات والمقرات الدولية لتحقيق رغباتهم، في حين أن تلك السفارات لا تأخذ بعين الاعتبار إلا ما يخدم مصالحها.
وبذلك، قد يجد الموارنة أنفسهم بعد سنوات قليلة يندبون تاريخًا لم يستطيعوا الحفاظ عليه، مع الأمل في ألا يخسروا الوطن بأسره.

