متفرقات

الحرب تشلّ قطاعات أساسية في لبنان… والسياحة والتجارة أول الضحايا

أخبار الساعة – في ظل الحروب المتصاعدة في المنطقة، من المواجهات الممتدة بين إيران وإسرائيل وما يرافقها من توترات إقليمية، وصولاً إلى التصعيد العسكري في جنوب لبنان، يواجه الاقتصاد اللبناني تحديات إضافية فوق أزماته البنيوية العميقة. فالحروب لا تقتصر آثارها على الخسائر البشرية والعسكرية فحسب، بل تمتد لتضرب القطاعات الإنتاجية وسلاسل الإمداد وحركة الأسواق، وتفرض ضغوطاً كبيرة على الشركات والعمال والقدرة الشرائية للمواطنين. وفي هذا السياق، يشرح الخبير الاقتصادي بسام بواب واقع الاقتصاد اللبناني في ظل الحرب وتداعياتها على الإنتاج والأسعار والقطاعين العام والخاص.

يؤكد الخبير الاقتصادي بسام بواب أن الاقتصاد اللبناني يبلغ حجمه اليوم ما بين 35 و36 مليار دولار سنوياً، موضحاً أن ذلك يعني أن الاقتصاد ينتج في الأيام الطبيعية ما يقارب 100 مليون دولار يومياً.

ويشرح أن هذا الرقم ينطبق على الظروف الطبيعية، وليس على فترات الحرب. فمع اندلاع المواجهات العسكرية، تتوقف قطاعات واسعة عن العمل أو تتراجع بشكل كبير، ما يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في حجم الإنتاج الاقتصادي.

ويقول: “في أيام الحرب مثل هذه الفترة، هناك قطاعات كثيرة تتوقف عملياً، مثل قطاع السياحة، والمطاعم، والطيران، وقطاع الفنادق، إضافة إلى العديد من الأنشطة الاقتصادية الأخرى. كذلك هناك مزارعون في المناطق الجنوبية، وفي المناطق التي تتعرض للقصف، وقد اضطروا إلى ترك أراضيهم، كما توقفت مصانع ومؤسسات كثيرة في تلك المناطق، ما يؤدي إلى تراجع واضح في الإنتاج الاقتصادي اليومي”.

ويوضح أن “الاقتصاد ينخفض بشكل كبير. اليوم نحن نخسر يومياً ما بين 30 و40 مليون دولار من الإنتاج الاقتصادي. بمعنى أنه بدل أن ينتج الاقتصاد نحو 100 أو 110 ملايين دولار يومياً، فإنه ينتج حالياً ما بين 60 و70 مليون دولار فقط، لأن المناطق التي تشهد توترات أو قصفاً تتوقف فيها الأعمال بالكامل”.

 

ويشير إلى أن تأثير الحرب لا يقتصر على الإنتاج، بل يشمل أيضاً الأضرار العسكرية والدمار في البنى التحتية، مثل شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، إضافة إلى المباني والمنشآت المختلفة.

 

ويلفت إلى أن “كل هذا الدمار يضيف خسائر يومية بمئات ملايين الدولارات. وبعد انتهاء الحرب ستكون هناك كلفة إضافية كبيرة لإعادة إعمار هذه البنى التحتية والمنشآت”.

 

قطاعات تنتعش وأخرى تنهار

 

ويشرح بواب أن تأثير الحرب على القطاعات الاقتصادية ليس موحداً، إذ إن بعض القطاعات تشهد زيادة في الطلب، بينما تتراجع قطاعات أخرى بشكل كبير. ويقول إن القطاعات التي شهدت ارتفاعاً في الطلب هي البنزين والمازوت والغاز والأدوية والمواد الغذائية الأساسية.

 

ويضيف: “المواد الغذائية الأساسية في السوبرماركت مثل الأرز والسكر والمواد الغذائية المختلفة شهدت زيادة كبيرة في الطلب، لأن الناس تقوم بتخزينها تحسباً لأي طارئ، إضافة إلى تزايد الطلب على الدواء”.

 

في المقابل، يشير إلى أن العديد من القطاعات الأخرى تراجعت مبيعاتها بشكل حاد، لا سيما تلك التي تُعتبر من الكماليات أو غير الضرورية. ومن الأمثلة “السلع المنزلية والمفروشات وقطاع السيارات والإلكترونيات مثل الكمبيوتر واللاب توب والآيباد، كل هذه القطاعات تراجعت مبيعاتها بشكل كبير، وقد انخفضت بنحو 60 إلى 70 في المئة”. فالمستهلكون، برأيه، يؤجلون شراء هذه السلع في ظل الظروف الحالية، لأن الأولوية باتت للإنفاق الضروري فقط.

 

ومن هذا المنطلق يتأثر الاقتصاد بشكل سلبي، وفق بواب، وتعاني القطاعات من هذه التداعيات السلبية، لا سيما أن الرواتب مستمرة والإيجارات مستمرة، ولكن الشركات لا تستطيع تغطية مصاريفها الضرورية.

 

ويشير بواب إلى أن المشكلة الأساسية حالياً لا تتعلق بالدولة بقدر ما تتعلق بالقطاع الخاص والشركات.

 

ويضيف أن المشكلة تتفاقم بسبب غياب التمويل، إذ إن المصارف في لبنان لم تعد قادرة على تمويل الشركات كما كان يحصل في السابق.

 

ارتفاع أسعار النفط والتضخم العالمي

 

وعن تأثير الحرب على أسعار النفط عالمياً، يوضح بواب أن أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس مباشرة على التضخم العالمي.

 

ويقول: “كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط يؤدي عادة إلى زيادة التضخم بنحو 1.5 في المئة عالمياً”.

 

ويضيف أنه مع ارتفاع سعر النفط بنحو 30 دولاراً، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة التضخم بنحو 5 في المئة تقريباً على مستوى العالم. وهذا يعني أن أسعار السلع والخدمات المختلفة قد ترتفع بنحو 5 في المئة عالمياً، وليس في لبنان فقط.

 

كما يشير إلى أن أسعار الغاز الطبيعي ارتفعت أيضاً بشكل كبير، إذ سجلت زيادة تجاوزت 60 في المئة في أوروبا، وهو ما يؤثر بدوره على كلفة الإنتاج في المصانع والتدفئة والطاقة.

 

مخاطر على سلاسل الإمداد

 

ويحذر بواب أيضاً من احتمال تأثر سلاسل الإمداد العالمية إذا استمرت الحرب وتوسعت. ويقول إن بعض شركات الشحن قد تتردد في نقل البضائع إلى المنطقة بسبب ارتفاع المخاطر الأمنية وارتفاع كلفة التأمين البحري.

 

ويضيف: “إذا توقفت بعض الشحنات أو تراجعت حركة الاستيراد، فقد نشهد نقصاً في بعض السلع، وعندها قد ترتفع الأسعار أكثر بسبب اختلال التوازن بين العرض والطلب”.

 

لكن بواب يلفت إلى أن هذا السيناريو لن يحدث فوراً، لأن الأسواق لا تزال تمتلك مخزوناً من السلع. لكن إذا استمرت الحرب، فقد تظهر المشكلة بعد شهر أو شهرين.

 

وضع الخزينة والدولة

 

وعن تأثير الحرب على المالية العامة، يوضح بواب أن الخزينة اللبنانية لم تتأثر بشكل كبير حتى الآن.

 

ويقول: “المرافق الأساسية ما زالت تعمل، مثل مرفأ بيروت ومرفأ طرابلس، وهما من أهم مصادر الإيرادات للدولة، خصوصاً من الرسوم الجمركية”.

 

كما يشير إلى أن تحصيل الضرائب ما زال مستمراً، وأن الدولة قد تواجه فقط تأخيراً بسيطاً في السيولة أو الإيرادات الشهرية.

 

ويضيف: “حتى الآن لا يوجد ضغط كبير على الدولة، ويمكنها استخدام بعض الاحتياطيات لتغطية النفقات الأساسية مثل الرواتب والمصاريف التشغيلية”.

 

ويلفت أيضاً إلى أن حركة الاستيراد ازدادت في الفترة الحالية، لأن التجار يسارعون إلى إدخال البضائع تحسباً لأي تطورات، وبالتالي فإن إيرادات الخزينة مستمرة.

 

النزوح والمساعدات

 

وعن كلفة النزوح، يرى بواب أن العبء المباشر على الدولة محدود نسبياً، وأن جزءاً كبيراً من المساعدات للنازحين يأتي عبر الجمعيات والمنظمات الإنسانية، إضافة إلى مساعدات تصل من دول عربية مثل السعودية والأردن ومصر.

 

سعر صرف الدولار

 

أما بالنسبة إلى سعر صرف الدولار، فيؤكد بواب أنه لا يتوقع أي انفلات في سعر الصرف في الوقت الحالي، موضحاً في هذا الإطار أن الاقتصاد اللبناني أصبح إلى حد كبير اقتصاداً مدولراً، فالكثير من التعاملات والرواتب والأسعار باتت بالدولار، ولذلك لا نتوقع تأثيراً كبيراً على سعر الصرف.

 

ويختم بالقول إن التحدي الأكبر حالياً لا يكمن في سعر الصرف أو مالية الدولة، بل في استمرار تراجع النشاط الاقتصادي وتأثر الشركات والقطاع الخاص في ظل الحرب

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى