سباق مع الوقت: إسرائيل تكثّف ضرباتها قبل وقف محتمل للحرب

في تطور لافت يعكس تباينًا بين الأهداف السياسية والواقع الميداني، بدأت تتصاعد داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تقديرات تشكك في قدرة الحرب الجارية على إسقاط النظام الإيراني، رغم كثافة الضربات الأميركية-الإسرائيلية واستهداف قيادات بارزة في طهران.
وبحسب تقرير للصحافيين ميهول سريفاستافا ونيري زيلبر في صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن التقييم السائد داخل الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية يشير إلى أن الحرب، التي بدأت في 28 شباط، لم تُحدث حتى الآن الشروط اللازمة لإطاحة النظام الإسلامي في المدى القريب. ونقل التقرير عن مصدرين مطّلعين أن الحملة الجوية “لم تُضعف بشكل ملموس قبضة النظام على السلطة”.
وفي هذا السياق، قال راز زيمت، وهو خبير سابق في الشأن الإيراني داخل شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان”، إن “النظام ضعُف، لكننا لم نرَ انشقاقات أو تصدعات حقيقية أو مؤشرات على فقدان السيطرة”، مضيفًا أن ذلك “يُظهر صلابة نظام بُني على مدى 47 عامًا للبقاء”.
ويأتي هذا التقييم في وقت يلمّح فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رغبته في خفض التصعيد، إذ تشير المعطيات إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي بات يركّز في المرحلة الحالية على استهداف الأهداف العسكرية، بدل تلك التي تهدف مباشرة إلى زعزعة النظام. وتشمل هذه الضربات ما تبقى من منشآت إنتاج الصواريخ والبنية الصناعية الدفاعية، مع تسجيل “تسارع” في الهجمات خلال الـ48 ساعة الماضية، خصوصًا ضد ما وُصف بـ“مصانع الأسلحة”. كما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل قائد سلاح البحرية في الحرس الثوري الإيراني.
ورغم التصريحات العلنية السابقة لكل من بنيامين نتنياهو وترامب حول إمكانية تغيير النظام، يؤكد التقرير أن الجيش الإسرائيلي كان منذ بداية الحرب يعتبر هذا الهدف “غير مرجّح إن لم يكن مستحيلاً” عبر حملة جوية فقط. ونقل عن مصدر مطّلع على مداولات الحكومة قوله: “الجيش قال للحكومة: هذا لن يكون ضربة واحدة وتنتهي. تغيير النظام كان دائمًا صعبًا جدًا، جدًا”.
ويشير التقرير إلى أن تحقيق هذا الهدف، في حال كان ممكنًا، يتطلب تنسيقًا بين العمليات الجوية وجهود طويلة الأمد ينفذها جهاز “الموساد” على الأرض، بما في ذلك محاولة تحفيز احتجاجات داخلية ودعم مجموعات كردية في الشمال لخلق حالة فوضى تؤدي إلى تمرد شعبي.
وكانت الخطط الإسرائيلية قد ركّزت في بداية الحرب على “قطع رأس النظام”، مع مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الأولى في 28 شباط، إلى جانب وزير الدفاع وقائد الحرس الثوري ورئيس الأركان، إضافة إلى عشرات المسؤولين الآخرين. كما تم اغتيال علي لاريجاني في 17 آذار، وهو من أبرز الشخصيات الأمنية وكان يُتوقع أن يلعب دورًا محوريًا في أي مسار تفاوضي لإنهاء الحرب
كما استهدفت الضربات عناصر أدنى رتبة ونقاط تفتيش تابعة لقوات “الباسيج” المنتشرة في الشوارع، إضافة إلى مناطق كردية غربية، في إطار محاولة إضعاف السيطرة الأمنية وتهيئة الأرضية لتحركات معارضة مدعومة من الخارج.
إلا أنه، وبعد نحو 4 أسابيع من الحرب، خلصت التقديرات الاستخبارية إلى أن الهجوم المكثف لم يرفع بشكل كبير احتمالات إسقاط النظام، سواء من الداخل أو عبر قوى معارضة خارجية.
في المقابل، بدأ المسؤولون العسكريون الإسرائيليون يبتعدون عن الحديث عن “إسقاط النظام” كهدف مباشر، مكتفين بالإشارة إلى “إضعافه” وتقليص قدراته العسكرية، وهو ما يعتبرونه إنجازًا بحد ذاته. وبينما خفّف ترامب من لهجته حيال تغيير النظام، لا يزال نتنياهو يؤكد أن أحد أهداف الحرب هو “خلق الظروف” لتحقيق ذلك، مشددًا على أن القرار النهائي يعود إلى الشعب الإيراني
في المحصلة، تعكس هذه المراجعة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية انتقالًا تدريجيًا من أهداف كبرى إلى مقاربة أكثر واقعية، حيث يُنظر إلى إسقاط النظام كمسار طويل الأمد، في حين تبدو طهران، رغم الخسائر، قادرة على الصمود في المدى المنظور، ما يطرح تساؤلات حول حدود القوة العسكرية في تغيير المعادلات السياسية في المنطقة
