أخبار لبنان

لبنان يفقد صوتاً روحياً استثنائياً

غيّب الموت الأخ نور جهاد بسيليس، مؤسس قناة “تيلي لوميار”، أحد أبرز الوجوه الروحية والإعلامية في لبنان، الذي طبع مسيرته بحياة نسكية استثنائية ورسالة إنسانية تجاوزت حدود الطوائف والانتماءات.

 

الأخ نور، واسمه الحقيقي جهاد جورج بسيليس، لم يكن مجرد مؤسس محطة تلفزيونية، بل صاحب مشروع متكامل لخدمة الإنسان، انطلق منذ العام 1975 حين اختار طريق النسك والزهد، تاركاً الحياة الأكاديمية رغم تخصّصه في الفلسفة وعلم الاجتماع، ليتفرّغ لما كان يعتبره “نداء المتألمين” .

 

في عزّ الحرب اللبنانية، لم يكتفِ بالصلاة، بل ترجم إيمانه إلى عمل، فأطلق مبادرات إنسانية واسعة شملت مساعدة المهجّرين، دعم الفقراء، إنشاء مستوصفات وعيادات متنقلة، ومشاريع اجتماعية امتدت إلى مختلف المناطق اللبنانية ومن مختلف الانتماءات.

 

لكن المحطة المفصلية في مسيرته كانت تأسيس “تيلي لوميار” عام 1991، كأول قناة مسيحية في لبنان والعالم العربي، حاملة رسالة إعلامية مختلفة، لا تجارية ولا سياسية، بل قائمة على نشر القيم الإنسانية والروحية وبناء الإنسان بعد الحرب.

 

ومن هذه المبادرة، انطلقت لاحقاً شبكة “نورسات” التي وسّعت البث إلى العالم، لتتحوّل الفكرة التي بدأت بالصلاة والإيمان إلى منبر عالمي ينقل رسالة لبنان الروحية إلى الخارج.

 

تميّز الأخ نور بأسلوب حياة قلّ نظيره، إذ عاش في غرفة متواضعة داخل مبنى “تيلي لوميار”، مكتفياً بالحد الأدنى من الطعام والعيش، مبتعداً عن الظهور الإعلامي، ومكرّساً حياته للصمت والصلاة والعمل، في صورة جمعت بين النسك والخدمة العامة.

 

لم يكن شخصية تقليدية، بل ظاهرة استثنائية في لبنان: رجل جمع بين الروحانية العميقة والعمل الاجتماعي، بين العزلة والتأثير، وبين الإيمان والمبادرة. لذلك، اختلفت حوله الآراء، لكن الإجماع بقي على فرادة تجربته وصدق التزامه.

 

برحيله، يفقد لبنان شخصية طبعت مرحلة كاملة من العمل الإنساني والإعلامي، في زمن كان فيه الصوت المختلف نادراً، والرهان على الإنسان أكثر ندرة.

 

الأخ نور لم يؤسس فقط محطة تلفزيونية، بل أسّس نهجاً… نهجاً يقول إن الإعلام يمكن أن يكون رسالة، وإن الإيمان يمكن أن يتحوّل إلى فعل، وإن الإنسان، مهما اشتدت الأزمات، يبقى القضية الأولى

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى