متفرقات

نفقات سرية للحرس الحكومي… من يراقب وكيف تُصرف؟

بدا لافتا خلال جلسة مجلس الوزراء التي إنعقدت في 2 نيسان الجاري، إستحداث “نبذة نفقات سرية” ضمن الإعتمادات المخصصة للحرس الحكومي التابع لرئاسة مجلس الوزراء، وتغذيتها بمبلغ 40 مليار ليرة لبنانية. هذا القرار لا يمكن قراءته كبند مالي تقني أو إجراء إداري عابر، بل هو مؤشر سياسي وأمني بالغ الخطورة على إعادة تشكيل دور هذا الجهاز ووظيفته وحدود عمله.

 

فالحرس الحكومي، بحكم طبيعته، ليس جهازاً أمنياً عاماً ولا مؤسسة استخبارية مستقلة، بل يفترض أن تنحصر مهمته في حماية المقار الرسمية، تأمين سلامة رئيس الحكومة، تنظيم المواكبات، وضبط الطوق الأمني الإداري والبروتوكولي.أما حين يُمنح بند نفقات سرية، فإن ذلك يعني عملياً أن هناك مهاماً غير معلنة، وتحركات غير قابلة للكشف، وإنفاقاً لا يُراد إخضاعه للرقابة العادية.

 

وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية.لأن أي جهاز مُلحق مباشرة برئاسة مجلس الوزراء، إذا أُعطي غطاءً مالياً سرياً، فإنه يصبح قادراً – نظرياً وعملياً – على الإنخراط في أدوار أمنية حساسة وخطيرة تتجاوز بكثير وظيفة الحماية التقليدية، ومنها:

 

• جمع معلومات أمنية أو سياسية تحت عنوان حماية المقار والمسؤولين.

 

• رصد تحركات أفراد أو جهات بحجة التقييم الوقائي للمخاطر.

 

• إدارة عمليات مراقبة أو متابعة ميدانية خارج نطاق المهام البروتوكولية.

 

• بناء شبكات ارتباط ومخبرين أو مصادر معلومات تحت غطاء أمني.

 

• تنفيذ ترتيبات أمنية موازية لا تمر حكماً عبر المؤسسات الأمنية والعسكرية الأصلية.

 

• أو حتى التدخل في بيئات مدنية أو إدارية أو احتجاجية بذريعة “الأمن الحكومي”.

 

وهنا لا يعود الحديث عن حرس، بل عن بذرة جهاز أمني موازٍ ملتصق مباشرة برأس السلطة التنفيذية.الخطير ليس فقط المال… بل السلطة التي يولّدها هذا المال.

 

في الأنظمة الديمقراطية، النفقات السرية لا تُمنح إلا ضمن شروط إستثنائية، ولمؤسسات محددة جداً، وضمن توازن دقيق بين السرية الأمنية والرقابة الدستورية.أما في لبنان، حيث تتداخل السياسة بالأمن، وتضعف المحاسبة، وتُستخدم الأجهزة أحياناً كامتدادات نفوذ، فإن فتح هذا الباب أمام الحرس الحكومي يعني عملياً توسيع صلاحيات غير مصرح بها، ومنح جهاز تابع لرئاسة الحكومة قدرة مالية تشغيلية غير شفافة.

 

وهذا يطرح أسئلة لا يمكن تجاوزها:

 

• ما طبيعة هذه المهام السرية التي تستوجب 40 مليار ليرة؟

 

• هل جرى تعديل أو توسيع مهمة الحرس الحكومي بقرار سياسي غير معلن؟

 

• هل بات هذا الجهاز مخولاً بمهام إستعلامية أو وقائية أو عملياتية؟

 

• ومن هي الجهة التي تراقب فعلياً هذا الإنفاق وهذه العمليات؟

 

• وهل نحن أمام حماية مؤسسات أم أمام تأسيس ذراع أمني خاص ملحق بالسراي الحكومي؟

 

من الحماية إلى النفوذ

 

المشكلة الأخطر أن الحرس الحكومي، بحكم قربه المباشر من مركز القرار التنفيذي، ليس جهازاً عادياً. فأي توسع في صلاحياته أو موارده أو سرية إنفاقه، ينعكس تلقائياً على ميزان القوى داخل الدولة، لأنه يخلق حلقة أمنية خاصة تدور حول رئيس الحكومة، لا حول الدولة كمؤسسة.وهذا النوع من الأجهزة، إذا تُرك لينمو بلا ضوابط، قد يتحول مع الوقت من جهاز حماية إلى:

 

• أداة نفوذ داخل الإدارة

 

• قناة أمنية موازية للأجهزة الرسمية

 

• وسيلة متابعة وضبط ومراقبة خارج الأصول

 

• أو حتى صندوق عمليات غير مرئي يُصرف من المال العام بإسم “الأمن”، وهنا يصبح الخطر دستورياً وسياسياً وأمنياً في آن واحد.

 

الدولة لا تُحمى بأجهزة غامضة

 

إن حماية رئاسة الحكومة أمر مشروع وضروري، لكن تحويل جهاز الحرس الحكومي إلى مساحة إنفاق سري، يعني أن الدولة لا تعود تحمي نفسها عبر المؤسسات الواضحة، بل عبر هياكل ضبابية يصعب مساءلتها أو فهم حدودها أو ضبط وظائفها.وهذا تحديداً ما يجب التوقف عنده، فحين يصبح للحرس الحكومي مال سري، يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوا إن كان قد صار له أيضاً دور سري.

 

في الخلاصة لسنا أمام بند مالي، بل أمام إشارة إنذار. فـالنفقات السرية لا تُنشئ فقط حساباً مالياً، بل تُنشئ سلطة موازية. وإذا كان الحرس الحكومي قد بدأ يدخل عالم الإنفاق السري، فإن السؤال لم يعد فقط: كم أُعطي؟بل أصبح: ماذا سيُطلب منه أن يفعل؟ لأن أخطر ما في هذا القرار، أنه قد لا يكون مجرد تمويل للحراسة، بل تمويلاً لتحويل الحرس إلى جهاز أمني بمهام خطيرة، غير معلنة، وغير خاضعة للرقابة الكافية. وعندما تُموَّل الأجهزة في الظل… تبدأ الدولة بالخروج من الضوء

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى