الدرع العربي للبنان

جو رحال – نداء الوطن : في لحظة إقليمية تتداخل فيها مسارات الحرب مع فرص التسوية، ينجح لبنان في إعادة تموضعه من ساحة مفتوحة إلى دولة تفاوض، مستندًا إلى مقاربة يقودها الرئيس جوزاف عون تقوم على تثبيت السيادة عبر رافعتين متلازمتين: درع عربي متماسك، ومسار دبلوماسي نشط يرفض تحويل لبنان إلى ورقة في صراعات الآخرين.
هذا التحول لم يعد توصيفًا سياسيًا، بل بات خيارًا معلنًا حيث أكد الرئيس عون بوضوح أن لبنان “يرفض أن يكون ورقة تفاوض في الصراعات الإقليمية، بل يفاوض باسمه دفاعًا عن مصالحه الوطنية وسيادته”. هذه المقاربة تعكس انتقالًا نوعيًا في الخطاب والممارسة، من موقع ردّ الفعل إلى موقع المبادرة، في ظل مسار تفاوضي دبلوماسي برعاية الولايات المتحدة وبدعم أوروبي وعربي، يهدف إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية والوصول إلى انسحاب كامل خلف الحدود الدولية، بما يتيح بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
في هذا السياق، يبرز “الدرع العربي” كعنصر حاسم في إعادة تشكيل ميزان القوة، حيث تقود السعودية ومصر وقطر شبكة دعم تتجاوز البعد السياسي التقليدي، لتتحول إلى شراكة فعلية في إدارة الملف اللبناني. هذا الدعم لا يمنح لبنان فقط غطاءً تفاوضيًا، بل يعزز موقعه كدولة تسعى إلى تثبيت الاستقرار لا إنتاج الأزمات، انطلاقًا من قناعة عبّر عنها عون بأن “الدبلوماسية، لا التصعيد، هي السبيل الوحيد للحل المستدام”.
الدور القطري يبرز كعامل تسهيل مرن، يجمع بين القدرة على التحرك الدبلوماسي والانخراط العملي في دعم مؤسسات الدولة، ما يعزز قدرة لبنان على الصمود في مرحلة ما بعد التفاوض. في المقابل، تتحرك السعودية ضمن رؤية استراتيجية أعمق، تربط أي دعم مستقبلي بإعادة تثبيت قواعد الدولة، وفي مقدمها حصرية القرار الأمني والعسكري، بما يعيد التوازن إلى الداخل اللبناني. أما مصر، فتؤدي دور الضامن الإقليمي الذي يحول دون انزلاق المسار نحو تصعيد أوسع، مستفيدة من خبرتها في إدارة التوازنات الدقيقة في المنطقة.
غير أن أهمية “الدرع العربي” لا تتوقف عند البعد الخارجي، بل تنعكس مباشرة على الداخل، حيث يتقاطع مع مسار إصلاحي وسيادي أعلنه الرئيس عون بوضوح، قائم على ترسيخ مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، كمدخل أساسي لاستعادة الاستقرار وبناء الثقة. هذا التوجه يعيد تعريف وظيفة الدولة، بحيث لا تبقى مجرد إطار سياسي، بل تتحول إلى مرجعية وحيدة في إدارة الأمن والقرار الوطني.
وفي موازاة هذا المسار السيادي، لا يغيب البعد الإنساني والاقتصادي عن مقاربة الدولة، إذ عرض عون بالأرقام حجم الكلفة التي يتحملها لبنان نتيجة استمرار التصعيد، من نزوح أكثر من مليون لبناني، إلى دمار واسع في البنى التحتية، وصولًا إلى انكماش اقتصادي حاد وتراجع الناتج المحلي وارتفاع معدلات التضخم . هذه الوقائع تعزز الحاجة إلى مقاربة شاملة لا تكتفي بإدارة الأزمة، بل تسعى إلى تغيير مسارها، وهو ما عبّر عنه الرئيس بالدعوة إلى الانتقال “من منطق الصراع إلى منطق الفرص، ومن الانقسام إلى التكامل، ومن إدارة الألم إلى صناعة الأمل” .
ومن هنا، تكتسب الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار، وتعزيز التمويل الإنساني، وتفعيل دعم الجيش اللبناني، بعدًا استراتيجيًا يتجاوز البعد الإغاثي، ليشكل جزءًا من مشروع إعادة بناء الدولة وربطها بشبكة مصالح إقليمية ودولية أوسع. كما يندرج ضمن هذا الإطار طرح لبنان كشريك اقتصادي ولوجستي في شرق المتوسط، قادر على لعب دور في إعادة الإعمار الإقليمي وتعزيز الترابط الاقتصادي.
ورغم هذا الزخم، يبقى التحدي الأساسي في ترجمة هذا الدعم إلى واقع داخلي مستدام، في ظل تعقيدات المشهد السياسي وحساسية التوازنات. إلا أن ما تغيّر فعليًا هو أن لبنان لم يعد يتحرك في فراغ، بل ضمن شبكة دعم واضحة، تمنحه للمرة الأولى منذ سنوات قدرة فعلية على التفاوض من موقع مدعوم لا هش.
في المحصلة، يتبلور مسار جديد يقوده الرئيس عون، عنوانه إعادة تثبيت الدولة على أسس السيادة والشراكة الإقليمية.
وللمرة الأولى منذ سنوات، لا يدخل لبنان التسويات كملف، بل كدولة… محاطة بدرع عربي، ومصمّمة على استعادة قرارها.
