سباق الحل الديبلوماسي والإنفجار الكبير

كتب رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ :
محاولة إغتيال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أحد فنادق واشنطن كانت ’’مفاجأة‘‘ بتحويل الأنظار عن مأزق المفاوضات الأميركية – الايرانية وكانت محط اهتمام أمني وديبلوماسي وتفسيرات متعارضة. منها ما ذهب إلى اعتبارها ’’شخصية بسبب العنف السياسي‘‘ وتأثيرات مواقع التواصل الإجتماعي وتراجع ’’شعبية الحرب‘‘. ومنها ما اعتبرها ’’مفبركة‘‘. ومنها ما رأى فيها أنها تستهدف الحزب الديموقراطي والإنتخابات النصفية على اعتبار أن ’’فاعل المحاولة‘‘ كان من أنصار المرشحة الرئاسية ’’كامالا هاريس‘‘.
صحيح أن هناك إجماعا أميركيا على ’’إدانة المحاولة‘‘ ما يؤدي مؤقتا إلى ’’تعاطف‘‘ مع الرئيس دونالد ترامب الذي سارع إلى نفي علاقة ايران بمحاولة الإغتيال. وهذه نقطة إيجابية لصالحه تفسّر حرصه على ’’الخيار الديبلوماسي‘‘ مع طهران كمخرج للحرب.
لا شك أنه حتى الآن ’’شعبية ترامب‘‘ الشخصية هي أكبر من شعبية كل من الحزبين الجمهوري والديموقراطي غير أن ذلك لا يؤثّر على المسار الذي تمضي إليه الإنتخابات النصفية التي تتراجع فيها حظوظ الحزب الجمهوري باعتبار أن سيد البيت الأبيض ليس ’’مرشحا رئاسيا‘‘. هذا أولا. وثانيا بسبب تداعيات الحرب الأميركية – الايرانية على الإقتصاد الأميركي وارتفاع الأسعار في النفط والغذاء وانعكاس ذلك في مستويات المعيشة والتضخم المالي. فالمواطن الأميركي أولويته هي الإقتصاد وليس الذهاب إلى حرب في الخارج.
لا شك أن الرئيس ترامب يحتاج إلى تماسك جمهوره وفريق عمله في ’’لحظة حرجة‘‘ بحيث أن الآلة العسكرية الأميركية الجوية والبحرية لم تنجز له ما يريد في تغيير النظام الايراني ومطالبه الخمسة عشر. فاللافت هو التفكك في فريق عمله في الوقت الذي يشير فيه إلى ’’تباينات‘‘ في القيادة الايرانية ’’غير ملموسة‘‘ في الواقع الفعلي ولا تستند إلى دليل.
والسؤال كيف يمكن تفسير مغادرة وزير البحرية الأميركية جون سي فيلان لمنصبه بعد إقالته وهو المقرّب جدا في الأساس من الرئيس دونالد ترامب.
هذه المغادرة تزامنت وتلت تغييرات شهدتها القيادة العسكرية الأميركية بما في ذلك إقالة رئيس الأركان الجنرال راندي جورج بسبب وجود خلافات مع القيادة العليا في البنتاغون. وفي اعتقاد مصادر روسية ومتابعة أن وزير البحرية المُقال جون سي فيلان بصفته عسكري محترف رفيع المستوى أدرك أن احتمال تدمير إحدى حاملات الطائرات الأميركية وعدد من السفن الأميركية بمنطقة الخليج أمر وارد ويقع ضمن مرمى أهداف وقدرات الصواريخ الايرانية. وذلك أمر سيحمل تبعات خطيرة على مستوى الضحايا التي قد تتجاوز الألف قتيل من خيرة ضباط وجنود البحرية الأميركية أو على مستوى سمعة الجيش الأميركي في المنطقة والعالم وهيبة الولايات الولايات المتحدة الأميركية. ولهذا اعترض فيلان على أن يتحمل مسؤولية قرارات وزير حرب مندفع مثل بيت هيغسيث يقع تحت تأثير عواطف ترامب المشتعلة.
هذا وترى المصادر الروسية المشار إليها من رصد تصرفات الرئيس ترامب خلال الفترة القريبة الماضية أنه متوتر ومتردد في شأن اتخاذ أي خطوات تتسبب بكوارث لقوات البحرية الأميركية. وكل ذلك يفسّر المسعى الروسي إلى دعوة منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية و’’دول الجنوب العالمي‘‘ إلى مؤتمر يتخذ قرارات تساعد الرئيس ترامب على التراجع وتفادي الكوارث.
وفي الحسابات الروسية أن مثل هذه الدعوة هي ضرورية لتلك الدول التي تتضرر اقتصاديا وماليا وجغرافيا في حال تجدّد الحرب. فمصلحتها هي في تنفيس الإحتقان مثلها مثل الدول الأوروبية. أما السؤال كيف تساعد هذه الدول الرئيس ترامب. فالجواب هو في مرونة ايرانية وفي ضمان اتفاق إطار أو اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران من موسكو ومن شبكة أمان تشكّلها هذه الدول مجتمعة.
قد تطول الهدنة الأميركية – الايرانية وصولا إلى مخرج للحرب. ولكن في الحسابات لبنان محكوم بالتصعيد. وهناك تنافس على ’’الخط الأصفر‘‘ في العمق بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو. والأمر مرهون بالحل السلمي على المسار الأميركي – الايراني. فواشنطن تريد تحويل ’’الخط الأصفر‘‘ إلى منطقة اقتصادية أميركية. أما مع تجدد الحرب الأميركية – الايرانية فنتنياهو يريده استكمالا للهيمنة الجغرافية والسياسية على لبنان الذي يتأرجح حاليا بين الرؤيتين الأميركية والاسرائيلية.
الرؤية الأميركية تقارب الأمور من زاوية أن واشنطن هي الفاعل الرئيسي الذي يضمن دولة اسرائيل. كما تحييد الفاعِلَين الاقليميين طهران وتل أبيب لبنانيا مع ضمانات سياسية لكل المكوّنات اللبنانية والدفع نحو حصرية السلاح بيد الدولة. وهذا التوجه الأميركي غير ممكن إلا في تفاهمات ضمنيّة في المسار الديبلوماسي الأميركي – الايراني.
عبد الهادي محفوظ
