ألان نصراوي… مسيرة من جذور “الربيع” العائلية إلى حضور عالمي في الصناعات الغذائية

يشكّل ألان نصراوي أحد الأسماء اللبنانية البارزة في قطاع الصناعات الغذائية، إذ ارتبط اسمه بمسيرة تطوّر شركة “الربيع”، التي تحوّلت من مصنع عائلي بسيط إلى علامة لبنانية رائدة في إنتاج المأكولات والمقبلات اللبنانية التقليدية، حاضرة في أكثر من 50 دولة حول العالم، حاملة معها صورة الصناعة اللبنانية إلى أسواق وثقافات متعددة.
تكوّن المسار العلمي لنصراوي بين مدرسة Champville ومدرسة Antonine، قبل أن ينتقل إلى HEC Montréal، وهي مرحلة شكّلت نقطة تحوّل في حياته، خصوصاً مع تجربة الاغتراب التي عزّزت لديه الاستقلالية والانفتاح على ثقافات وأساليب تفكير مختلفة. ويرى نصراوي أن العلم والخبرة يكملان بعضهما البعض، إلا أن التجربة الأعمق كانت داخل بيئة العمل اليومية في المصنع منذ الطفولة.
كبر ألان بين رائحة الحبوب والسمسم وصوت الآلات داخل المصنع، حيث شكّل وجوده في كواليس الإنتاج جزءاً أساسياً من طفولته وذاكرته.
في تلك المرحلة، كان المصنع ينتج ثلاثة أصناف فقط هي الحلاوة والطحينة والراحة، وكانت أولى تجاربه العملية تتلخص في المساعدة في تنقية السمسم والفستق من الشوائب، إضافة إلى المشاركة في بعض مراحل الإنتاج والتعبئة. هذه التجارب المبكرة أسهمت في ترسيخ فهم عميق لقيمة كل تفصيل في العملية الصناعية، ولحجم الجهد الكامن خلف كل منتج يصل إلى المستهلك. كما عززت لديه قناعة بأن العمل اليدوي والتجربة المباشرة يشكّلان أساس النجاح، إلى جانب نصيحة والده التي بقيت حاضرة في مسيرته، ومفادها أن الإنسان يجب أن يعمل بيده كي ينجح، وأن المال يمكن تعويضه، لكن خسارة ثقة الناس أصعب بكثير.
تأسس المصنع في مرحلة حرجة تزامنت مع بداية الحرب اللبنانية على يد والده السيد جورج نصراوي، في وقت كان الخيار السائد هو الهجرة أو إقفال المؤسسات. إلا أن الإصرار على البقاء في لبنان شكّل نقطة تأسيس لهوية صناعية صلبة، وأسّس لقناعة راسخة بأن اللبناني قادر على النجاح حتى في أصعب الظروف، وأن الأزمات قد تتحول إلى فرص إذا اقترنت بالإرادة والاستمرارية.
مع مرور الوقت، تحوّل المصنع من ورشة صغيرة إلى كيان صناعي متكامل يعتمد خطوط إنتاج حديثة، ويصدر إلى أكثر من 85 دولة حول العالم. وكانت نقطة التحوّل الأساسية الانفتاح المبكر على الأسواق الخارجية والمشاركة في المعارض الدولية، ما ساهم في بناء حضور عالمي للمنتج اللبناني، ليس فقط كسلعة غذائية، بل كحامل لهوية ثقافية تمثل المطبخ اللبناني في الخارج، وهو ما رسّخ ارتباط العلامة التجارية بصورة لبنان في الأسواق العالمية.
وقد رافق هذا التوسع حرص دائم على الحفاظ على الجودة الأصيلة التي تشبه المنتج المنزلي في طعمه وهويته، رغم التحديات المرتبطة بكلفة الإنتاج والمنافسة العالمية. كما اعتمدت الشركة معايير عالمية صارمة في الجودة وسلامة الغذاء، من خلال الحصول على شهادات دولية مثل ISO وFSSC، ما عزز القدرة التنافسية وفتح أسواق جديدة في بيئات ثقافية وغذائية مختلفة.
في حديث خاص، أوضح ألان أن مسار التصدير واجه تحديات متعددة، أبرزها اختلاف معايير الأسواق العالمية وضرورة بناء ثقة المستهلك الأجنبي بالمنتج اللبناني. وقد شكّلت هذه التحديات دافعاً لتطوير مستمر، قائم على الدمج بين الأصالة اللبنانية والتكنولوجيا الحديثة في التصنيع والتغليف، إلى جانب متابعة دقيقة لكل تفاصيل الجودة لضمان استمرارية السمعة التي بُنيت عبر عقود، مع قناعة بأن أي خطأ بسيط قد يؤثر على صورة تراكمت عبر سنوات من العمل.
ورغم الأزمات الاقتصادية والسياسية التي يمر بها لبنان، استمر المصنع في العمل والتوسع، مدفوعاً بإيمان بأن الاستمرارية بحد ذاتها تشكل رسالة صمود. وقد شمل ذلك الحفاظ على الموظفين والالتزامات تجاه الأسواق، ضمن رؤية تعتبر أن الاستثمار في لبنان يتجاوز البعد التجاري ليصبح خياراً مرتبطاً بالانتماء والمسؤولية تجاه البلد والناس والإرث الذي تأسس عبر الأجيال.
وفي لحظات السفر ورؤية منتجات المصنع معروضة في متاجر دول بعيدة، يصف نصراوي شعوره بأنه مزيج من الفخر والتأثر والفرح، إذ يشعر أن “قطعة من لبنان وصلت إلى هناك”، وهو ما يمنحه دافعاً أكبر للاستمرار والتطور.
أما على المستوى الشخصي، فهو شخص يؤمن بالعمل والعائلة والعلاقات الإنسانية، حيث يتداخل النجاح المهني مع الحياة الخاصة في إطار من التوازن، انطلاقاً من قناعة بأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إذا خسر الإنسان نفسه أو محيطه خلال الطريق. ويعتبر أن النجاح يتمثل أولاً في الصيت الحسن ومحبة الناس، إلى جانب الاستمرارية في تطوير العمل ورفع اسم لبنان في المجال الصناعي.
يؤكد أن المبادئ الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها تتمثل في الحفاظ على الجودة والنوعية، وعدم التخلي عن الموظفين في الظروف الصعبة، إضافة إلى الصدق والتواضع، باعتبار أن أي نجاح يُبنى من دون أخلاق لا يمكن أن يستمر.
فبعد الوصول إلى 85 دولة، لا يتوقف طموح “الربيع” عند رقم أو سوق محددة، بل يستمر ضمن رؤية تقوم على التطوير الدائم وإطلاق منتجات جديدة وتوسيع الحضور العالمي، مع الحفاظ على الهوية اللبنانية التي شكّلت أساس هذا النجاح.
ويختم نصراوي بالتأكيد أن “وصفة النجاح” للشباب اللبناني تقوم على المثابرة والجدية والإيمان بالنفس وبالفكرة مهما كانت الظروف صعبة، مشدداً على أن الطريق ليس سهلاً، لكنه يستحق، وأن الحفاظ على القيم والأخلاق يبقى أساس أي نجاح حقيقي، لأن الربح السريع والنجاح غير المبني على أسس ثابتة لا يدومان.
