المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية “خيبة أمل”… وإسرائيل تستغل الوقت للتوسع جنوباً!

شكلت المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية العسكرية التمهيدية للمفاوضات السياسية بعد يومين ، محطة مخيبة للآمال التي كان يعقدها لبنان الرسمي عليها مما دفع رئيس الجحكومة نواف سلام للاعتراف ان المفاوضات قد لا تؤتي ثمارها المرجوة، فما الذي يمكن ان يحصل عليه لبنان من خلالها وهل اخطأت الدولة اللبنانية بفصل المسار اللبناني عن المسار الايراني بما سمح باستمرار الاعتداءات عليه؟.
في هذا السياق، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي نبيه عواضة، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن المفاوضات التي جرى الإعلان عنها مع العدو الإسرائيلي على أنها ستكون مفاوضات مباشرة تتعارض مع البند الثالث عشر من اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، والذي ينص بصورة واضحة في فقرته الأخيرة على أن أي تفاوض مع العدو الإسرائيلي يجب أن يتم بشكل غير مباشر وبرعاية ووساطة أميركية وأممية.
وأضاف أن ما حصل اعتبره الإسرائيلي بمثابة تطور على صعيد إخضاع لبنان للأولويات الأمنية الإسرائيلية، وفي هذا السياق برزت فكرة نقل المباحثات من المستوى السياسي إلى المستوى الأمني والعسكري، بحيث يصبح هذا المستوى أساس النقاش.
وأوضح أن الغاية الأساسية من هذا التوجه تتمثل في جعل المفاوضات الأمنية والعسكرية مع لبنان استكمالاً للجهد العسكري الذي يبذله جيش العدو الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، سواء من خلال إقامة مناطق عازلة، أو عبر توسيع نطاق المنطقة المحتلة، أو من خلال فرض تقييدات أمنية على الجانب اللبناني تمنعه مستقبلاً من التعامل مع هذه المناطق بما يتيح له ممارسة السيادة الأمنية أو العسكرية أو حتى السياسية، نظراً إلى طبيعة الإجراءات التي يعتمدها العدو الإسرائيلي خلال عمليات التوسع التي ينفذها.
وأشار إلى أنه عند ملاحظة عمليات التوغل والتوسع باتجاه التلال والنقاط الحاكمة في لبنان، يتبين أن لهذه الخطوات أثماناً سياسية وأمنية مستقبلاً، وبالتالي لن تكون هناك أي إمكانية للخروج من هذه المناطق من دون الخضوع الكامل للإملاءات والاعتبارات الإسرائيلية.
ورأى أن مجمل النقاشات التي جرت خلال الاجتماعات لا تتناسب مع الواقع الميداني والعسكري القائم، وذلك نتيجة استمرار إسرائيل في عمليات التوسع، ونتيجة ضعف الموقف اللبناني في أساس الذهاب إلى هذه المفاوضات، والتي كان يفترض أن تكون وسيلة لفرض نوع من العودة إلى مسودة اتفاق وقف إطلاق النار السابق وآلياته.
وأوضح أن هذه المسألة ترتبط مباشرة بآلية انتشار الجيش اللبناني وآلية انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، وهو أمر لم يتحقق خلال الفترة الماضية، ولذلك فإن النقاش الذي جرى كان بعيداً بصورة كاملة عما يريده اللبنانيون، وأقرب إلى الإملاءات الأميركية والإسرائيلية.
وأضاف أن الحديث بدأ في القضايا الأمنية والعسكرية قبل الوصول إلى وقف إطلاق نار فعلي، وهذه مسألة أساسية. وبالتالي فإن عدم القدرة على انتزاع وقف إطلاق النار يجعل العملية التفاوضية غير مجدية، بل ويجعلها تخدم العملية العسكرية الإسرائيلية، إذ إن إسرائيل تستفيد من هذه المفاوضات لتأمين الوقت اللازم لإنجاز أهدافها العسكرية على الأرض. والدليل، بحسب عواضة، سيطرتها اليوم على قلعة الشقيف وتلال البياضة وبعض التلال الحاكمة في منطقة تلة مسعود لناحية بنت جبيل وتلة حداثا، إضافة إلى التقدم باتجاه دبين.
وأكد أن ما تفعله إسرائيل على المستوى العسكري والميداني يتمثل في توسيع المنطقة الأمنية وتعزيز نقاط التمركز، بهدف فرض ترتيبات أمنية من طرف واحد، وعندها تصبح المفاوضات غير مجدية.
وفي معرض حديثه عن المفاوضات السياسية، وما قاله رئيس الحكومة نواف سلام عن احتمال عدم تحقيق أي نتائج ملموسة من المفاوضات، اعتبر أن هذا الأمر يؤكد أن الهدف الأساسي من المفاوضات، سواء كانت عسكرية أو سياسية، هو توفير الوقت الكافي لاستمرار العملية العسكرية الإسرائيلية وتحقيق أهدافها.
وأضاف أن هذه الأهداف باتت واضحة من خلال الخرائط التي ينشرها الإسرائيليون ومن خلال تصريحاتهم، والتي تشير إلى رغبتهم في السيطرة بشكل كامل على منطقة جنوب لبنان، من دون أن تكون هناك حتى الآن حدود واضحة لهذه المنطقة. وأكد أن الأمر لا يقتصر على ما يسمى بالمنطقة الصفراء أو المناطق المحتلة حالياً، بل يتجاوزها إلى مناطق أخرى، ما يعني أنه لا توجد خطوط حمراء جغرافية بالنسبة لإسرائيل، وقد يصل الأمر إلى الحديث عن مناطق أبعد مثل الأولي، وليس فقط منطقة الزهراني التي استجدت اليوم.
وأشار إلى أنه لا يستبعد استمرار التوسع الإسرائيلي أكثر فأكثر، لأن إسرائيل تستفيد من الواقع الميداني القائم حالياً، ومن تشتت الموقف السياسي اللبناني والخلافات الداخلية، الأمر الذي يمنحها فرصة أكبر لمواصلة عملياتها العسكرية وفرض شروطها على طاولة المفاوضات بصورة أقوى مما كان عليه الوضع سابقاً.
وعن ما إذا كانت هذه المفاوضات تهدف إلى سحب الملف اللبناني من يد إيران، خصوصاً بعد الحديث عن أن أي اتفاق أميركي ـ إيراني قد يشمل لبنان، شدد عواضة على أن ما حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل القيام به هو فصل المسارات، وللأسف فإن بعض الأصوات اللبنانية تلاقت مع هذا التوجه الأميركي والإسرائيلي القائم على فصل ملف وقف إطلاق النار.
واعتبر أن هذا الأمر منح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرك في الجنوب اللبناني، وأتاح للأميركيين إخراج بيروت والضاحية الجنوبية من دائرة العمليات العسكرية المباشرة، بما يسمح بممارسة المزيد من الضغوط على السلطة اللبنانية لدفعها إلى تقديم تنازلات إضافية. وبحسب تصوره، فقد تم تقديم وقف لإطلاق النار في بيروت والضاحية الجنوبية بالتزامن مع وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لكن ذلك أبقى منطقة العمليات العسكرية الأساسية مفتوحة أمام المزيد من العمليات والتوسع العسكري الإسرائيلي.
وأكد أن هذا الواقع يشكل عملياً نسفاً كاملاً لفكرة وقف إطلاق النار، لأن وقف إطلاق النار الحقيقي غير موجود في لبنان ما دامت العمليات العسكرية مستمرة في الجنوب. ورأى أنه لو كان هناك موقف لبناني موحد يربط بين وقف إطلاق النار في الجنوب ووقف إطلاق النار في بيروت والضاحية، لكان الوضع أفضل بالنسبة للدولة اللبنانية في مقاربة المسارات السياسية المقبلة.
وعن إمكانية أن يتيح الاتفاق الإيراني ـ الأميركي المرتقب وقفاً نهائياً لإطلاق النار في لبنان، قال عواضة إن هناك قناعة راسخة لدى إسرائيل بأن الملف اللبناني مرتبط بصورة وثيقة بالتفاهمات مع إيران، وأن كل ما تقوم به حالياً على المستوى العسكري يهدف إلى تعزيز أوراق القوة التي يمكن استخدامها في أي مفاوضات مستقبلية، سواء كانت على مستوى إقليمي أو دولي أو حتى على مستوى داخلي لبناني.
وأضاف أن إسرائيل تحاول الاستفادة من الواقع الراهن لتعزيز حضورها الميداني والعسكري في الجنوب، وكذلك للاستفادة من هذا الواقع على المستوى الداخلي الإسرائيلي.
كما ربط عواضة ما يجري اليوم بالمعركة الانتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، موضحاً أن الأوراق التي يحققها من خلال التوسع في لبنان قد تتحول إلى أوراق انتخابية يستفيد منها سياسياً. ومن هذا المنطلق أعرب عن خشيته من أن تستمر هذه المعركة لفترة طويلة وفق الآلية القائمة حالياً، والتي تقوم على الفصل بين بيروت والضاحية من جهة والجنوب من جهة أخرى، بما يؤمن قدراً من الاستقرار المرتبط بالمفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، وفي الوقت نفسه يمنح إسرائيل حرية أوسع لمواصلة عملياتها العسكرية في الجنوب.
وأشار إلى أن هذا الواقع قد يسمح باستمرار العمليات العسكرية لأشهر عدة، رغم الحديث المتكرر عن وقف إطلاق النار.
وأكد أن الاتفاق الذي أدى إلى وقف التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران شكّل، في جزء منه، عاملاً إيجابياً بالنسبة لإسرائيل، إذ منحها هامشاً أوسع للتحرك العسكري في جنوب لبنان. واعتبر أنه كان بإمكان الدولة اللبنانية الاستفادة من المسار التفاوضي عبر السعي إلى إدراج الملف اللبناني بشكل واضح ضمن المباحثات، والمطالبة بأن يتضمن أي اتفاق وقفاً شاملاً لإطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، بدلاً من المطالبة بفصل لبنان عن هذا المسار.
ويرى أن هذا الفصل أتاح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساحة أكبر لمواصلة العمليات العسكرية في الجنوب. ويضيف أنه لو نجح لبنان الرسمي في ربط وضعه بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه، لكان ذلك قد فرض قيوداً إضافية على حركة إسرائيل العسكرية. كما يشير إلى أن مطالبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم استهداف بيروت وفّرت، بحسب تقديره، هامشاً لتحويل التركيز نحو القرى الجنوبية، ما أدى إلى استمرار عمليات التدمير هناك، ووصول الأضرار في بعض المناطق إلى حد محو معالم قرى بأكملها
