ترامب ونتنياهو و”الدعوة الإبراهيمية” ولبنان

كتب رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ :
التزم الوفد العسكري اللبناني للتفاوض في واشنطن بالسقف الذي حدّده الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون الذي تعرّض إلى ضغوط كبيرة من الخارج الدولي ومن الداخل اللبناني على السواء ومن التصعيد العسكري الاسرائيلي في الجنوب اللبناني الذي يريد استدراج لبنان إلى تنسيق أمني لبناني – اسرائيلي يرافق المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية.
والمعنى الحقيقي لهذه الضغوط على لبنان أنه وسوريا لا زالا “ساحة الصراع”. ويتبيّن ذلك من الإتصالات التي أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بكل زعماء المنطقة في دول الخليج ومصر والأردن وتركيا وباكستان واستثنى من ذلك الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون والرئيس السوري أحمد الشرع. وهو استثناء مقصود ومدروس بانتظار ما تنتهي إليه الأمور على المسار الأميركي – الايراني والذي يستتبع لاحقا ترتيبات واسعة في المنطقة لدوائر النفوذ.
وهي ترتيبات يطمح فيها سيد البيت الأبيض لأن يكون الفاعل الرئيسي وإحداث توازنات بين النفوذين التركي والاسرائيلي في سوريا وإرساء “اتفاق أمني” بين لبنان واسرائيل وإيجاد مخرج لسلاح حزب الله عبر مسار أميركي – ايراني يلحظ الحضور السياسي لكل المكوّنات اللبنانية في السلطة. وأبعد من ذلك يطمح الرئيس ترامب إلى إنجاز ما يسميه “الإتفاقات الابراهيمية” وهو يحاول تذليل الإعتراضات الخليجية عليها وتحديدا اعتراض المملكة العربية السعودية ودولة قطر حيث اعتبر أن عدم تلبية هاتين الدولتين لرغبته يدرجه في “عدم حسن النية”. ومما لا شك فيه أن الإعتراض على “الإتفاقات الإبراهيمية” ترتبط حلحلته بإيجاد حل للقضية الفلسطينية والإعتراف بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية والإنسحاب العسكري الاسرائيلي من غزة ومن الأراضي العربية المحتلة بما فيها لبنان. وهذا ما يتعارض حاليا مع سياسة التوسّع الاسرائيلية لبنيامين نتنياهو في غزة ولبنان وسوريا وفي سعيه في توظيف الحرب الأميركية على ايران لتحويل اسرائيل دولة عظمى عالمية. وهذا معناه أنه أولا على الرئيس دونالد ترامب تذليل العقبة الاسرائيلية هذه. فالمقاربة الأميركية “للإتفاقات الإبراهيمية” لا تلتقي والرؤية السياسية الاسرائيلية لها. فإذا كان الرئيس الأميركي يملك ورقة “أنا الذي أقرّر على المسار الأميركي – الايراني لا نتنياهو” فهل يملك هذا القرار في موضوع “الإتفاقات الإبراهيمية” والإستجابة لاعتراض المملكة العربية السعودية وقطر وغيرها من الدول العربية والإسلامية ومن دول أوروبية وآسيوية ومعها روسيا والصين. فمثل هذا الأمر يقتضي اعتراضا اسرائيليا واسعا يترجم بأفعال مساندة للسياسة الأميركية في الداخل الاسرائيلي.
وفي المعطيات أن من الدوافع الايرانية إلى المرونة في المفاوضات الأميركية – الايرانية أن طهران تريد أن تضع حدا لسياسات التوسّع الاسرائيلية في لبنان ولتهجير “البيئة الشيعية”. فهي تربط المسار التفاوضي الأميركي – الايراني بالجنوب اللبناني الذي يستخدمه نتنياهو وسيلة لاستدراج الولايات المتحدة الأميركية إلى معاودة الحرب خصوصا وأن العاصمة الايرانية مدركة بأن نتنياهو يمارس ضغوطا على الصقور في الإدارة الأميركية وخارجها وفي الكونغرس والمجمّع الصناعي الحربي هدفها إضعاف المتعاطفين مع الخيار الديبلوماسي من فريق ترامب أمثال نائبه جيه دي فانس. وهكذا شئنا أم أبينا فإن الإنفراج النسبي في لبنان يرتبط بتسريع “إعلان النوايا” بين واشنطن وطهران وبخطوات تعيد الثقة بين العاصمتين. وقد تكون الإشارة العملية إلى ذلك هي رفع الحصار البحري الأميركي عن المرافئ الايرانية. وهذا ما لمّح إليه الرئيس ترامب. وكذلك في تصريح الرئيس الايراني بزشكيان بأن ايران لا تريد أن تمتلك قنبلة نووية وهي مستعدة أن تثبت ذلك للعالم. ومفاد ذلك أن الرئيس الايراني يعطي إشارة مطمئنة لمثيله الأميركي بأن طهران على استعداد لايجاد “مخارج معقولة” وواقعية في موضوع التخصيب النووي وفائضه بما يمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرصة أن يقول أنه توصّل إلى “اتفاق جيد” أفضل من اتفاق أوباما. وهذا أمر يسوقه للداخل الأميركي وفي الكونغرس.
واقع الأمر لا زال نتنياهو في فسحة ما من الوقت يملك هامشا للسياسات التدميرية في الجنوب اللبناني والبقاع. فذلك يشكّل متنفّسا له وتنفيسا للإحتقان في الداخل الاسرائيلي من أرجحية ترامب للخيار الديبلوماسي مع ايران.
وهذا الواقع لخّصه لي صديقي الأميركي من أصل لبناني والمقرّب من دوائر القرار خلال معايدته لي: “لا تذهب خلال العيد وبعده إلى بلدتك في الهرمل. وعليك البقاء في بيروت خلال هذه الفترة”.
عبد الهادي محفوظ
