اختراق طبي قد يغيّر مستقبل علاج العمى… علماء ينجحون في استعادة البصر لدى الفئران

حقق باحثون من جامعة ديوك في ولاية نورث كارولينا الأميركية إنجازًا علميًا جديدًا قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات فعالة للعمى واضطرابات البصر لدى البشر، بعدما تمكنوا من استعادة وظيفة شبكية العين لدى الفئران باستخدام خلايا مزروعة في المختبر.
واستخدم فريق من المهندسين الحيويين، للمرة الأولى، خلايا جذعية محفزة متعددة القدرات (iPSCs) لزراعة خلايا متخصصة في الأوعية الدموية الخاصة بشبكية العين. وعند حقن هذه الخلايا في فئران مصابة بأمراض الشبكية، اندمجت الخلايا المزروعة مع الأنسجة التالفة، وأعادت بناء الأوعية الدموية، ما أدى إلى استعادة ملحوظة لوظيفة الشبكية.
كما أثبت الباحثون أن هذه الخلايا قادرة على تكوين نسيج وعائي شبكي وظيفي داخل المختبر، وهو ما يُتوقع أن يسهم في تطوير نماذج دقيقة لدراسة أمراض العيون المختلفة واختبار العلاجات المستقبلية.
وأوضح الباحثون أن الشبكية تُعد طبقة حساسة للضوء تقع في الجزء الخلفي من العين، وترتبط خلاياها العصبية مباشرة بالدماغ لتكوين الصور التي يراها الإنسان. وتتميز الشبكية بوجود حاجز دموي خاص ينظم مرور الأكسجين والمغذيات والماء والأدوية، وهو عنصر أساسي للحفاظ على صحة العين وحمايتها من الأمراض.
لكن البروفيسورة شارون غيريخت، المشرفة على الدراسة، أشارت إلى أن هذا الحاجز الدموي نفسه يمثل أحد أكبر التحديات أمام علاج أمراض الشبكية، لأنه يتكون من شبكة معقدة من خلايا بطانة الأوعية الدموية المتخصصة التي لا توجد في أي مكان آخر في الجسم، ما يجعل إعادة بنائها أو زراعتها أمرًا بالغ الصعوبة.
وأضافت أن الحصول على هذه الخلايا حاليًا يعتمد على عينات مأخوذة من مرضى، وهي عملية مكلفة ومحدودة، الأمر الذي دفع فريق البحث إلى تطوير وسيلة جديدة تعتمد على الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات، وهي خلايا بالغة يعاد برمجتها لتعود إلى حالة شبيهة بالخلايا الجنينية، ما يمنحها القدرة على التحول إلى مختلف أنواع الخلايا في الجسم.
وبدأ الباحثون باستخدام خلايا جذعية تجارية، ثم أخضعوها لإجراءات مخبرية معروفة لتحويلها إلى خلايا بطانة وعائية عادية، قبل إضافة مجموعة من عوامل النمو التي وجهتها لتصبح خلايا متخصصة بالأوعية الدموية الموجودة في شبكية العين. وبعد ذلك، تمكنت هذه الخلايا من تشكيل الشبكات والهياكل الدقيقة نفسها التي تتكون داخل الجسم.
ولاختبار كفاءة هذه الخلايا، عرّضها الفريق لظروف تحاكي الأمراض التي تصيب العين، مثل انخفاض مستويات الأكسجين وارتفاع نسبة الجلوكوز في الدم، وهما من أبرز العوامل المرتبطة باعتلال الشبكية السكري. وأظهرت النتائج أن الحاجز الدموي في النسيج المزروع تدهور بالطريقة نفسها التي تحدث لدى المرضى، ما يؤكد قدرة النموذج المخبري على محاكاة المرض بدقة.
كما أظهرت التجارب أنه عند حقن الخلايا المزروعة في الفئران قبل وصول المرض إلى مرحلة فقدان البصر، اندمجت الخلايا بنجاح مع الأنسجة الموجودة، وأسهمت في تكوين أوعية دموية سليمة ذات حواجز قوية، الأمر الذي منع تطور المرض وحافظ على وظيفة الشبكية.
وقال الباحث المشارك في الدراسة وطالب الدكتوراه باركر إسوين إن النتائج أظهرت أن هذه الخلايا المزروعة في المختبر تحمل إمكانات كبيرة لتطوير علاجات وقائية لأمراض الشبكية، مشيرًا إلى أن التقنية الجديدة تجعل إنتاج هذه الخلايا أكثر سهولة وأقل تكلفة مقارنة بالأساليب الحالية.
وأعرب فريق البحث عن ثقته في أن هذه التقنية ستتيح تطوير نماذج بشرية دقيقة لأنسجة الشبكية داخل المختبر، بما يساعد العلماء على فهم آليات أمراض العيون بصورة أفضل، وتسريع اكتشاف علاجات وأدوية جديدة.
ويعتزم الباحثون خلال المرحلة المقبلة توسيع استخدامات هذه الخلايا، سواء داخل مختبراتهم أو من خلال شراكات مع جهات صناعية، كما تقدموا بطلب براءة اختراع يشمل العلاجات المعتمدة على هذه الخلايا والنماذج المخبرية المستخدمة في تطوير واختبار الأدوية.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة “Nature Biomedical Engineering” العلمية المتخصصة
