“لبنان الضائع” بين واشنطن واسلام أباد في مفاوضات هشّة

كتب رئيس المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ :
فوجئت طهران باعتبار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن وقف النار في لبنان ليس مدرجا على لائحة التفاوض بينها وبين واشنطن في اسلام أباد رغم تأكيد باكستان ومندوبها في الأمم المتحدة عاصم افتخار أحمد بأن ترامب كان قد وافق على النقاط العشر الايرانية.
وهناك “روايات متعددة” لتفسير الموقف الأميركي. منها أن الرئيس ترامب كان موافقا ولكن فوجئ بموقف نتنياهو الغاضب والعاتب لكون البيت الأبيض تخلّى عنه ما استوجب كلام للرئيس الأميركي بأن طهران طرحت عليه ثلاثة اقتراحات مختلفة وذلك للتنصل من جانبه. هذا أولا. وثانيا رواية تقول بأن الأمر كان مدروسا منذ البداية بين الرئيسين ترامب ونتنياهو. وثالثا الرواية ثالثة – وهي تفسير ديبلوماسي أوروبي – بأن جهات أميركية ومعها اللوبي اليهودي اتصلت بنتنياهو وطالبته بالتشدد مع الرئيس دونالد ترامب.
والروايات الثلاث استتبعت حذرا وتشددا ايرانيا بحيث أن مراجع القرار في ايران ربطت عمليا بين وقف النار في الحرب الأميركية على ايران بوقف النار في لبنان تحت عنوان التلازم باعتبار أن اسرائيل انضمت إلى الحرب الأميركية على ايران كما انضمام حزب الله إلى جانب طهران في الحرب. فما ينطبق على اسرائيل ينطبق على حزب الله.
والواضح أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومعه رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو يمارسان سياسة “البازار” مع ايران غير مدركين بأن مصطلح “البازار” هو ايراني وأن سوق البازار هو الأساس في ايران في التعامل التجاري والمقايضات والتفاوض وأن الإسقاط الأميركي لمصطلح “البازار” في السياسة تجيده طهران كما في الإقتصاد. وبالتالي مقابل التصعيد الأميركي – الاسرائيلي في لبنان لجأت طهران إلى التصعيد في مضيق هرمز فأعادت إغلاقه إلى حدود بعيدة بحيث تنتظر مائتي ناقلة نفط وباخرة على مداخله ومخارجه وتشترط العاصمة الايرانية مليوني دولار في حال السماح لأي ناقلة دخولا أو رجوعا.
وفي الحسابات الايرانية أنه لا رجوع عن فرض رسوم على العبور في مضيق هرمز باعتبار أن المضيق تمتلكه دولتين هما ايران وعمان. والرسوم هي لتعويض كلفة الحرب ومن حق الدولتين المردود المالي أسوة بقناتي السويس وباناما. والملفت للإنتباه أن الرئيس ترامب أشار قبل فترة أنه يريد بدوره الإستثمار الشخصي في مضيق هرمز عندما أعلن جوابا على سؤال أنه “هو والمرجع الروحي المجتبى سيشرفان على المضيق”. وهذا التصريح له خلق قلقا عاما لدى دول الخليج وتساؤلا حول الحماية الأميركية المفترضة. ومثل هذا التساؤل الخليجي هو الذي كان وراء الإتصال الودّي بين وزيري الخارجية السعودي فيصل بن فرحان والايراني عباس عراقجي. ومثل هذا الإتصال يحمي شركة أرامكو النفطية السعودية التي أخرجت الرياض أي ملكية أميركية فيها بعد أن أدارها لخمسين سنة سابقا رجل أعمال أميركي هو فرانك جنفرز. وبالطبع تملك الرياض وزنا خاصا واعتباريا بين دول الخليج ما يسمح لها بأن تكون مستقبلا عرّابة العلاقات الايرانية – الخليجية بما يطمئن ايران في ضوء الملاحظات الايرانية على بعض الدول المطلّة على الخليج وعلى القواعد الأميركية فيها.
أيا يكن الأمر تبدأ المفاوضات هشّة في اسلام أباد وتفترض جولات متعددة فيها شيء من التوتر. والأرجح تمديد مهلة المفاوضات ودخول أطراف جديدة عليها لدول فاعلة ووازنة وأيضا هو حال المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية في واشنطن. ذلك أن لبنان لا يملك سوى ورقة الرهان على الضغوط الأميركية على اسرائيل وهي ورقة غير مضمونة كفاية. ومثل هذه الضغوط استبقها رئيس الحكومة الاسرائيلية بأن المفاوضات تجري تحت النار. وهو أمر يعترض عليه الرئيس العماد جوزاف عون ولا مخرج لذلك إلا في حال توصّل المفاوضان الأميركي والايراني في اسلام أباد إلى فرض وقف النار في لبنان. والسؤال هل ينجح لبنان في انتزاع انسحاب اسرائيلي وتطبيق القرار ١٧٠١ واستعادة السيادة في واشنطن؟ لا جواب.
ختاما ثمة من يستنتج في الولايات المتحدة الأميركية بأن الحرب الأميركية على ايران أنتجت نقطة تحوّل في الإمبراطورية الأميركية المترامية الأطراف. والمقصود بالتحوّل انحسار نفوذ هذه الإمبراطورية الناجم عن تفرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قرار للحرب لم يشرك فيه دوائر النفوذ في أميركا العميقة ولم يستمع كفاية لتقديرات الأجهزة الإستخبارية ولا للكونغرس ولا للمعارضة.
عبد الهادي محفوظ
