أخبار دولي

كيف أسقطت واشنطن محور طهران؟… تفكيك «وحدة الساحات» يهزّ الشرق الأوسط

كتب الصحافي والمحلل السياسي المتخصص في الشؤون الأميركية والشرق الأوسط جواد الصايغ في صحيفة “إيلاف” مقالاً بعنوان: “كيف فككت واشنطن حلف طهران في المنطقة؟”.

 

منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، تغيّر التعاطي الأميركي مع إيران وحلفائها في منطقة الشرق الأوسط. فقد شكّل ذلك التاريخ تحولًا مهمًا في السياسة الأميركية، وكذلك الإسرائيلية، مع ظهور الخطر الحقيقي الذي يمكن أن يشكله حلفاء طهران في أي لحظة.

 

أكثر من عامين مرّا على هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، وما زال الأميركيون والإسرائيليون ينظرون بعمق إلى ذلك اليوم، وإلى ما كان يمكن أن يحدث لو تجسّد فعلًا مفهوم “وحدة الساحات” في لحظة واحدة: هجوم من غزة، وآخر من جنوب لبنان، وثالث من جنوب سوريا، ورابع من الضفة الغربية عبر جماعات حماس والجهاد الإسلامي، وخامس وسادس وسابع على شكل هجمات صاروخية متناسقة من اليمن والعراق وإيران.

 

وقبل ذلك الحدث، لم تترك واشنطن مناسبة إلا وطالبت فيها طهران بالتوقف عن تمويل الجماعات المحسوبة عليها في الشرق الأوسط، كما لم تتوانَ عن فرض عقوبات على قادة ومؤسسات إيرانية، إضافة إلى مسؤولين في تلك الجماعات. غير أن هذه الخطوات العقابية لم تردع النظام الإيراني عن مواصلة دعمه، بل على العكس، كان يعمل على توسيع نفوذه عبر محاولة استقطاب جماعات جديدة إلى محوره.

 

عمليًا، كان محور “المقاومة والممانعة” يمتد من طهران إلى بغداد فدمشق وبيروت وغزة، ومعهم صنعاء، فيما كان الوكلاء، سواء كانوا أنظمة أو جماعات وأحزابًا، يفرضون سيطرتهم على المناطق التي يتواجدون فيها. ومع تجاهل طهران للمطالب الأميركية بوقف دعم حلفائها، ومشهد السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، ومعركة الإسناد اللبنانية واليمنية، بات لا بد من مقاربة أميركية مختلفة لهذا الملف، تقوم على تقليص الخطر إلى حدّه الأدنى تمهيدًا لإنهائه من جذوره.

 

شكّلت سوريا، في عهد بشار الأسد، العمود الفقري للمحور الإيراني، إذ ساهم موقعها الاستراتيجي والسياسي في صعود الحركات المتحالفة مع طهران نتيجة التقارب القوي بين الأخيرة ودمشق. وقبل هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، بدأت محاولات لإعادة تلميع النظام السوري نتيجة غياب البديل، والترويج له على أمل إخراجه تدريجيًا من العباءة الإيرانية. لكن “طوفان الأقصى” وما نتج عنه، وغياب أي مؤشرات تدل على قدرة الأسد على النأي بنفسه وإخراج حلفاء طهران من سوريا، إضافة إلى أزماته الداخلية، جعل المستحيل، أي سقوط النظام، ممكنًا. فسقط في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) نتيجة توافق إقليمي ودولي، وضمانات قدمتها الإدارة التي وصلت إلى دمشق لخلافته. ومثّل هذا السقوط أول تصدّع كبير يشهده المحور.

 

وقبل سقوط النظام السوري، والضربات الإسرائيلية التي استهدفت حزب الله، لم يكن أحد يتوقع أن حركة حماس، المصنّفة على لوائح الإرهاب، والتي كانت تنافس حزب الله في الحضور العسكري داخل المحور، سيخرج قادتها يومًا ليشكروا رئيسًا أميركيًا على جهوده لوقف الحرب. لكن هذا حدث فعلًا مع تغيّر الموازين العسكرية والسياسية في المنطقة لصالح الأميركيين وإسرائيل. وبدلًا من إطلاق شعارات “الموت لأميركا”، بات قادة حماس يقدّرون ويحيّون جهود سيد البيت الأبيض، ليطووا بذلك صفحة المحور وشعار “وحدة الساحات”. ولم تخرج رصاصة واحدة من غزة خلال الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على طهران وحزب الله.

 

أما على الضفة الجنوبية من بحر العرب، فقد انسحب الحوثيون من حلف “المقاومة” بشكل ضمني ومن دون إعلان رسمي، مع احتفاظهم بالتصريحات التهديدية عالية السقف، وذلك منذ السادس من أيار (مايو) 2025، إثر الهجمات الأميركية التي استهدفتهم خلال شهري آذار (مارس) وأيار (مايو) 2025، إضافة إلى الغارات الجوية الأميركية البريطانية واسعة النطاق، التي جاءت ردًا على عمليات مصادرة السفن واختطافها، فضلًا عن استهداف إسرائيل بالصواريخ والطائرات المسيّرة باعتبار الجماعة جزءًا من “وحدة الساحات”. وعلى خطى حماس، لم ينخرط الحوثيون في الحرب الأخيرة.

 

المحور الذي امتد يومًا من طهران إلى غزة، لم يتبقَّ منه سوى ساحتين وقفتا إلى جانب النظام الإيراني في حربه: حزب الله والجماعات العراقية المحسوبة على إيران. لكن واشنطن تبدو وكأنها تقارب الملفين من زاوية مختلفة. فبدلًا من أن يكون لبنان في مواجهة إسرائيل بسبب انخراط حزب الله في الحرب، وأن تتحول بيروت إلى ورقة بيد طهران خلال التفاوض، عملت الإدارة الأميركية على فصل المسارات. وبدلًا من وجود طرفين متنازعين، هما لبنان وإسرائيل، بات النزاع، بحسب التصريحات الأميركية والإسرائيلية، يتمحور بين إسرائيل وحزب الله من جهة، وبين الحزب والسلطة اللبنانية من جهة أخرى.

 

كما نجحت إدارة ترامب في جمع تل أبيب وبيروت على طاولة حوار وتفاوض مباشر تمهيدًا للسلام، لتصبح مشكلة حزب الله مزدوجة: الأولى تتعلق بالخروج من الحرب مع إسرائيل بأقل الخسائر الممكنة، والثانية، والأخطر، ترتبط بالداخل اللبناني، حيث بات الحزب للمرة الأولى في مواجهة مباشرة مع السلطة اللبنانية التي تسعى إلى بسط سيطرتها وشرعيتها على كامل الأراضي اللبنانية.

 

وفي العراق، منعت واشنطن حليف إيران، نوري المالكي، من الوصول إلى رئاسة مجلس الوزراء، كما تعمل على تضييق الخناق على جماعات الحشد الشعبي عبر تقليص تأثيرها على القرار السياسي العراقي، إضافة إلى استهداف قادة هذه الجماعات. وكان آخر تلك الخطوات اعتقال القيادي البارز في كتائب حزب الله العراقي، محمد باقر السعدي، ونقله إلى الولايات المتحدة، في إطار تحقيقات تتعلق باتهامات مرتبطة بالتخطيط لهجمات في عدد من الدول، وتوجيه ست تهم تتعلق بالإرهاب، على خلفية شبهات بشأن تورطه في أنشطة عابرة للحدود.

 

وليست هذه المرة الأولى التي تعمل فيها الولايات المتحدة على تقويض تحالفات إقليمية، سواء عبر الوسائل العسكرية أو السياسية. فالشرق الأوسط شهد سابقًا نجاح وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، في كسر التحالف المصري ـ السوري خلال حرب عام 1973، حين نجح في فصل مسار القاهرة عن دمشق، وتفاوض مع الرئيسين أنور السادات وحافظ الأسد كلٌّ على حدة. وكانت النتيجة، بعد سنوات، توقيع اتفاق سلام مصري ـ إسرائيلي، فيما خرج الأسد باتفاقية فض اشتباك بين سوريا وإسرائيل عام 1974

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى