انتقادات داخل إسرائيل: الواقع لا يشبه الخطاب السياسي

في وقت تتسارع فيه التطورات على المسار اللبناني – الإسرائيلي، تكشف قراءة إسرائيلية عن انتقادات داخلية لأداء الحكومة في إدارة هذا الملف، معتبرة أن فجوة كبيرة تفصل بين الواقع الميداني والخطاب السياسي، في ظل مفاوضات توصف بأنها إيجابية لكنها محفوفة بتعقيدات كبيرة.
وبحسب مقال تحليلي للكاتب ميخائيل هراري، فإن المفاوضات بين إسرائيل ولبنان تشكّل تطورًا إيجابيًا في العلاقات بين البلدين لأول مرة منذ سنوات طويلة، إلا أنها تجري في ظل “فجوات كبيرة وتوقعات منخفضة”، ما يضع سقفًا محدودًا لإمكانية تحقيق نتائج سريعة.
ويشير الكاتب إلى أن إسرائيل “انجرت عمليًا” إلى هذه المفاوضات تحت ضغط أميركي، لافتًا إلى أن أقل من 48 ساعة فقط بعد انطلاقها، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تسريع وتيرة الأحداث عبر إعلان وقف إطلاق النار، ما غيّر مسار المشهد بشكل مفاجئ.
وفي تقييمه لواقع المفاوضات، يؤكد هراري أن شروط الانطلاق معقدة، إذ تتوقع إسرائيل من الدولة اللبنانية فرض سيادتها الكاملة ونزع سلاح حزب الله، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الحكومة اللبنانية غير قادرة حاليًا على تحقيق هذا الهدف.
في المقابل، يلفت إلى أن الضغط الداخلي في إسرائيل، خصوصًا من سكان الشمال، يفرض على الحكومة إيجاد حلول سريعة تضمن الأمن، ما يدفعها إلى البحث عن ترتيبات مرحلية قابلة للتنفيذ على المدى القريب.
ويشدد الكاتب على ضرورة أن “تستوعب إسرائيل” أن استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة ليست مسألة فورية، بل مسار طويل ومعقد، مشيرًا إلى أن هذه الحقيقة تُقال داخل المؤسسة الأمنية “بصراحة وشجاعة”، لكنها لا تُطرح بالوضوح نفسه على المستوى السياسي.
وفي هذا السياق، يدعو هراري إلى تثبيت وقف إطلاق النار كخطوة أولى، على أن يُحتسب ذلك كإنجاز للحكومة اللبنانية ضمن المسار التفاوضي، مع ضرورة الانتقال إلى مقاربة تقوم على خطوات متبادلة واقعية، بدل فرض شروط غير قابلة للتطبيق.
ويؤكد أن أي مفاوضات ناجحة يجب أن تقوم على مبدأ التدرج، بحيث يلتزم كل طرف فقط بالإجراءات التي يستطيع تنفيذها فعليًا، محذرًا من أن فرض شروط قصوى منذ البداية سيؤدي إلى انهيار العملية التفاوضية فورًا.
أما على المدى البعيد، فيقترح الكاتب تحديد أهداف استراتيجية مشتركة، تشمل بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وإطلاق مسار ثنائي مباشر بين دولتين، وصولًا إلى اتفاق عدم قتال قد يتطور لاحقًا إلى اتفاق سلام.
كما يشدد على أهمية الحفاظ على إطار المفاوضات قائمًا حتى في حال تعثر النتائج أو استمرار القتال، معتبرًا أن “الزخم السياسي يخدم الطرفين، وأقل من ذلك يخدم حزب الله”.
وعلى المستوى العملي، يدعو إلى اعتماد خطوات فورية متبادلة، مثل تعزيز انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، مقابل انسحاب إسرائيلي من بعض المناطق، وإتاحة بدء عمليات إعادة الإعمار في القرى الجنوبية، إضافة إلى إنشاء آلية رقابة دولية تحظى بثقة الطرفين، قد تكون أميركية في المرحلة الحالية.
ويخلص الكاتب إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب التركيز على مبدأين أساسيين: الإقرار بأولوية الإطار التفاوضي، واعتماد خطوات تدريجية واقعية على الأرض، معتبرًا أن الحكومة الإسرائيلية مطالبة بتقديم “صورة حقيقية” للرأي العام، خصوصًا أن نزع سلاح حزب الله “غير ممكن بالوسائل العسكرية فقط”، إلا إذا كانت النية تتجه نحو احتلال كامل لبنان
