سلاح بسيط… تأثير هائل: كيف أربكت المسيّرات الاستراتيجية الأميركية؟

أظهرت المواجهة مع إيران تحوّلاً لافتًا في موازين القوى العسكرية، حيث برزت طهران كخصم أكثر قدرة مما كان متوقعًا، مستفيدة من سلاح منخفض الكلفة وعالي التأثير: الطائرات المسيّرة.
وتعتمد إيران على مسيّرات مصنّعة بتكنولوجيا تجارية، تُقدّر كلفة الواحدة منها بنحو 35 ألف دولار فقط، وهو رقم ضئيل مقارنة بكلفة أنظمة الاعتراض الأميركية المتطورة التي تُستخدم لإسقاطها، والتي تصل في بعض الحالات إلى ملايين الدولارات لكل عملية اعتراض.
هذا الفارق الكبير في الكلفة فرض تحديًا مباشرًا على الاستراتيجية الدفاعية الأميركية، التي لطالما ركّزت على الدقة والتكنولوجيا العالية، دون الأخذ بعين الاعتبار سيناريو الهجمات الكثيفة بطائرات رخيصة.
وخلال الأيام الستة الأولى فقط من الحرب، أنفقت الولايات المتحدة نحو 11.3 مليار دولار، فيما قدّرت مراكز أبحاث لاحقًا أن إجمالي الإنفاق تراوح بين 25 و35 مليار دولار، مع مساهمة أنظمة الاعتراض بالقسم الأكبر من هذه الكلفة، وسط مخاوف متزايدة من استنزاف المخزون العسكري من الصواريخ الدفاعية.
في الميدان، تعتمد القوات الأميركية على عدة وسائل لمواجهة هذه المسيّرات. ففي السيناريو المثالي، يتم رصد الطائرة المعادية مبكرًا عبر طائرات الإنذار المبكر، ليتم توجيه مقاتلات مثل F-16 لاعتراضها باستخدام صواريخ موجهة. وتبلغ كلفة إسقاط طائرة واحدة بهذه الطريقة نحو 65 ألف دولار، أي ما يقارب ضعف كلفة المسيّرة الإيرانية.
أما على الأرض، فتُستخدم أنظمة مثل “كيوتي” (Coyote)، القادرة على اعتراض الطائرات على مسافة تصل إلى 9 أميال، لكن كلفة استخدام صاروخين من هذا النظام تصل إلى نحو 253 ألف دولار، أي ما يعادل سبعة أضعاف كلفة الهدف.
وفي البحر، ترتفع الكلفة بشكل أكبر، إذ تستخدم المدمرات الأميركية صواريخ SM-2 لاعتراض المسيّرات، حيث تصل كلفة صاروخين إلى نحو 4.2 ملايين دولار، أي أكثر من 120 ضعفًا لكلفة المسيّرة الواحدة.
أما أنظمة “باتريوت” البرية، فتُعد من الأكثر كلفة، إذ تبلغ كلفة صاروخين من طراز PAC-3 نحو 8 ملايين دولار لاعتراض هدف لا تتجاوز كلفته 35 ألف دولار.
في المقابل، تبقى المدافع الأرضية مثل C-RAM الخيار الأخير، حيث يمكنها إسقاط المسيّرة بكلفة تقارب 30 ألف دولار خلال ثوانٍ، لكنها محدودة المدى ولا توفر حماية بعيدة.
هذا الخلل في معادلة الكلفة يعود إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين صُمّمت الأنظمة الدفاعية الأميركية لمواجهة تهديدات متطورة وسريعة، كالصواريخ الباليستية والطائرات المتقدمة، وليس أسرابًا من الطائرات الرخيصة التي يمكن إطلاقها بأعداد كبيرة.
وتستفيد إيران من هذه الفجوة عبر إطلاق عدة مسيّرات دفعة واحدة، مستندة إلى كلفتها المنخفضة وقدرتها على قطع مسافات تصل إلى 1500 ميل، ما يضع معظم أهداف الشرق الأوسط ضمن نطاقها.
في المقابل، تتجه الأنظار نحو حلول مستقبلية، مثل المسيّرات الاعتراضية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي قد تصل كلفتها إلى نحو 30 ألف دولار، أي أقل من كلفة الهدف نفسه، ما قد يعيد التوازن إلى ساحة المعركة.
كما تعمل الولايات المتحدة على تطوير أسلحة الليزر منخفضة الكلفة، التي يُفترض أن تبلغ كلفة الطلقة الواحدة منها نحو 3 دولارات فقط، إلا أنها لم تدخل الخدمة الميدانية حتى الآن.
ورغم كل هذه الجهود، يبقى التحدي الأكبر ليس فقط في الكلفة، بل في القدرة على الاستمرار، إذ يحذر خبراء عسكريون من احتمال نفاد مخزون الصواريخ الدفاعية قبل القدرة على تعويضها، ما يطرح تساؤلات جدية حول جاهزية واشنطن لحروب الاستنزاف الحديثة
