قلق أوروبي متصاعد: هل يقترب انسحاب واشنطن من الناتو؟ وتحركات لخطط بديلة

في لحظة مفصلية يمرّ بها النظام الأمني الأوروبي، أجرى أمين عام حلف شمال الأطلسي، مارك روته، سلسلة محادثات رفيعة المستوى في العاصمة التركية أنقرة، مع كبار المسؤولين الأتراك، في زيارة تعكس حجم التحديات التي تواجه الحلف في المرحلة الراهنة.
وشملت اللقاءات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير الخارجية هاكان فيدان، ووزير الدفاع يشار غولر، وذلك في ظل تصاعد الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي، وتنامي الحديث عن احتمال انسحاب الولايات المتحدة الأميركية منه، رغم ما يحيط بهذا السيناريو من تعقيدات قانونية وسياسية.
وتُعدّ مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أحد أبرز مصادر القلق داخل الحلف، إذ وجّه انتقادات متكررة إلى الدول الأعضاء، متهمًا إياها بعدم الوفاء بما يراه “واجبها العسكري” خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران. كما تبنّى مقاربة تقوم على ربط الالتزامات الأمنية برفع الإنفاق الدفاعي، ملوّحًا بإعادة النظر في مستوى الدعم الأميركي للحلف إذا لم تواكب الدول الأعضاء أولوياته الجيوسياسية، ولا سيما في ملفي إيران وأوكرانيا.
وأدّت هذه الضغوط إلى توتر غير مسبوق داخل الحلف، ما دفع عددًا من الدول الأوروبية إلى العمل على إعداد “خطط بديلة” تحسبًا لاحتمال تقليص الدور الأميركي أو انسحابه. ويبرز ملف تسليح أوكرانيا كأحد أبرز نقاط الخلاف بين إدارة ترامب وبعض الدول الأوروبية التي تتبنى نهجًا أكثر تشددًا في التعامل مع الحرب.
كما أثارت التصريحات الأميركية المتتالية مخاوف حقيقية من أن تمتنع واشنطن عن تقديم الدعم العسكري لأعضاء أوروبيين في حال تعرضهم لهجوم، سواء انسحبت رسميًا من الحلف أم بقيت ضمنه، الأمر الذي يضع مبدأ الدفاع المشترك، الذي يشكّل جوهر الحلف، أمام اختبار فعلي.
ويرى متابعون أن الحلف، الذي ظلّ لعقود يمثل “الدرع الأساسي للأمن الأوروبي”، يواجه اليوم مرحلة إعادة تعريف لدوره ووظيفته، في ظل تراجع الثقة بين أعضائه وتصاعد الانقسامات بشأن أولويات الأمن الجماعي. ويؤكد مراقبون أن الوضع الراهن قد يكون الأصعب منذ تأسيس الحلف عقب الحرب العالمية الثانية.
وفي خضم هذا الجدل، تكتسب القمة المرتقبة لقادة حلف شمال الأطلسي، والتي تستضيفها تركيا صيف العام الجاري، أهمية تاريخية خاصة، إذ يُنتظر أن تشكّل محطة حاسمة في تحديد مسار الحلف ومستقبله، بين خيار ترميم التماسك الداخلي أو الدخول في مرحلة إعادة تموضع استراتيجية قد تعيد رسم معادلات الأمن الأوروبي لسنوات طويلة مقبلة.
تأسس حلف شمال الأطلسي عام 1949 كتحالف دفاعي يضم دولًا من أميركا الشمالية وأوروبا، ويستند إلى مبدأ الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة الخامسة من ميثاقه، والتي تنص على أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع الأعضاء. وقد شكّل الحلف على مدى عقود الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي، خصوصًا خلال الحرب الباردة.
غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وتبدّل أولويات بعض القوى الكبرى داخله، أعادت طرح تساؤلات عميقة حول تماسكه وقدرته على الحفاظ على دوره التقليدي، في وقت تتصاعد فيه التهديدات والتحديات الإقليمية والدولية
