حريصا… من جرد تنورين الى ساحل كسروان: كيف انتقل الاسم؟

من المعروف أن مزار سيدة لبنان موجود في منطقة درعون العقارية في كسروان، لكنه يحمل اسم حريصا أو تلة حريصا، فمن أين أتت التسمية؟
هناك عدة روايات منها ما رواه ابن تنورين شربل ضومط الذي كتب: هناك رواية تقول: حين كثر اضطهاد المسيحيين منذ القدم (لا اذكر الزمان) استباح الوالي بالتنكيل والقتل فتشرد المسيحيون عامة ومن بينهم أبناء حريصا – تنورين وقد لجأوا إلى منطقة كسروان وأقاموا على تلة كبيرة تطل على البحر وقد أقاموا مزارًا للعذراء كمزار قريتهم وأطلقوا عليه اسم سيدة حريصا نسبة الى قريتهم التي هجروا منها وقد أتوا بتمثال للعذراء من القرية عند فرارهم لتحميهم ومن بعد زمن طويل اقيم البازيليك وأطلق عليه مزار سيدة لبنان – حريصا
ولابن تنورين سايد فاضل رأي يقول:
وصل إلينا بالتواتر أن أهالي محلة الحريصا من منطقة تنورين الفوقا، إثر أحداث أهلية لجأوا إلى كنيسة محلتهم، لكنهم لم يسلموا من التنكيل بهم وبكنيستهم ما اضطر بعض عائلاتهم للنزوح إلى بلدة درعون الكسروانية، فأقاموا مع الوقت مزارًا على اسم كنيسة المحلة التي نزحوا منها وكان لي شرف التعرف على بعض أبناء تلك العائلات من آل يونس الساكنين بالقرب من المزار أثناء قيام ورشة عمي انطانيوس فاضل التنورية بتنفيذ أعمال الخرسانة لبازيليك سيدة لبنان حريصا بإدارة المهندس معين عون.
سرّني أنني كنت من النجّارين الناشطين المشاركين بتنفيذ هذا الصرح العظيم علمًا أن آثار الكنيسة التي تهدّمت إثر الأحداث الأهلية في محلة الحريصا في جرد تنورين ما زالت ظاهرة للعيان.
وللقاضي بسام وهبة ابن تنورين رأي أورده في كتابه “ذاكرة تنورين” يقول:
سيِّدة حريصا، من تنورين إلى درعون، إلى كلِّ لبنان.
ٱسم حريصا: كتب طوني مفرِّج في الموسوعة اللبنانية، ما يلي: حريصا من جذر “حَرَصَ” السَّامي القديم الذي يعني الطرَف الحاد. وينطبق هذا الوَصف الجغرافي على موقع حريصا، في كلٍّ من تنورين ودرعون.
أضاف مفرِّج: “جاء ٱسم المكان من حريصا تنورين التي وَفَدَ منها جُدُود بعض أبناء مجتمع حريصا، من آل يونس ورزق، حاملين معهم صورة سيِّدتها، وبنوا لها أول كنيسة في القرية على ٱسم سيِّدة حريصا، فحملت المحلَّة ٱسم هذه الكنيسة”.
ويتطابق ذلك أيضًا مع ما رواه لنا رئيس بلدية درعون – حريصا المهندس أنطوان الشمالي، إذ قال: ارتبط ٱسم حريصا في درعون بحديث شعبي منقول، ردَّده الأبناء عن الأجداد، ومفاده أن شخصًا يُدعى يونس يونس نزح مع عائلته من منطقة حريصا في تنورين، في نهاية القرن الثامن عشر، واشترى أراضٍ واسعة في درعون وعاش مع عائلته، التي نمَت وتكاثرت. فأخذ أهالي المناطق المجاورة يُطلقون عليهم ٱسم أهالي حريصا، وعُرفت المنطقة بٱسمهم منذ ذاك الحين، علمًا أن هذا المكان كان يُعرف سابقًا بٱسم الرُّوَيْس. وبعد مسح الأراضي عُرفت المنطقة نهائيًّا بٱسم حريصا، وهي منطقة عقارية يقع ضمنها مزار سيِّدة لبنان الشهير، وهكذا أصبحت سيِّدة حريصا – تنورين، سيِّدة كلِّ لبنان.
يضيف: النزوح من تنورين إلى درعون (الهجوم على منطقة الحريصا): كانت تنورين، في بداية العهد العثماني، تابعة لولاية طرابلس وكان آل حمادة يضمنون جباية المِيرة في منطقتي جبيل والبترون، لكنهم طغوا وتجبَّروا على أهالي المنطقتين حتى أنهم كانوا يجبون الميرة من الأهلين ويحتفظوا بها دون أن يُسَدِّدوها إلى والي طرابلس محمد باشا الكرجي. فاتفقَ الوالي مع والده عثمان باشا، والي دمشق، على إزاحتهم عن المنطقة وقاما بدعم الأمير يوسف بن ملحم الشهابي لِتولِّي شؤون منطقتَيْ جبيل والبترون، وعلى التخلُّص نهائيًّا من آل حماده. وهكذا، جمع الأمير يوسف عساكره بقيادة مدبِّره المُحَنَّك سعد الخوري صالح والشيخ سمعان البيطار وتمكَّنَ من توجيه ضربَتَيْن موجعَتَيْن إلى الحماديين، الأولى في جبيل سنة 1763 والثانية في سهل دار بعشتار – الكورة سنة 1771، لم يقم لهم قائمة من بعدهما. وقد ساند أهالي تنورين الأمير يوسف شهاب ودعموه بالرجال في معركة دار بعشتار لإزاحة آل حمادة عن كاهل بلاد جبيل والبترون، بقيادة شيخها أنطون طربيه الأول (أبو بشارة) وجَدُّ أنطون بك طربيه مدير ناحية تنورين في عهد المتصرفية.
وهذا ما أثار حنق آل حماده وغيظهم على أهالي تنورين، فأضمروا لهم الشَّر وما لبثوا أن شنُّوا غارة مباغتة على منطقة حريصا، إحدى تخوم تنورين الشمالية.
حصل الهجوم بحدود سنة 1773 أو 1774. ويُقال أنه وقع أثناء اجتماع الأهالي للصَّلاة داخل كنيسة سيِّدة حريصا العتيقة. إذ أطبق المهاجمون على المُصَلِّين، فقُتل منهم من قتل وفرَّ الناجون إلى المناطق القريبة والبعيدة حتى وصل نفرٌ منهم إلى نواحي درعون في كسروان حاملين معهم أيقونة السيِّدة العذراء، وكانوا في غالبيَّتهم من عائلة يونس التنورية، وابتنوا لهم كنيسة على ٱسم السَيِّدة العذراء، فَنُسِبَت المنطقة مُذَّاك إليهم “حريصا”.
الرَّد: لم ينم أهالي تنورين على الضَّيْم الذي أصابهم، إذ كَمَنُوا لِمجموعة من آل حماده كانت تجُول في الجُرد وانقضُّوا عليهم في الموقع المعروف حتى اليوم بٱسم “بُرَك الدَّم” على مقلب جبل البيَّاض، في الجرد العالي، فقتلوا عددًا منهم وانهزم الباقون إلى نواحي الهرمل.
ويُوجد في حريصا – تنورين ثلاث كنائس على اسم العذراء. أما الكنيسة الأولى، أو القديمة، فتقع فوق الطريق العام الواصل من تنورين الفوقا إلى حدث الجبة، بحدود أملاك ليشع اسطفان داغر. يرجع بناء الكنيسة إلى مئات السِّنين، وهي الكنيسة التي أحرقها الحماديُّون وهدموها على رؤوس المُصَلين كما أسلفنا. وقد أصبَحَت اليوم أثرًا بعد عَيْن، إذ لم يَبْقَ منها سوى حنيَّة المذبح وبعض الحجارة المبعثرة حول الموقع، وهي مطمورة تحت طبقة من التراب وأَجِمَّة الطيُّون والأعشاب البريَّة، على مقربة من الكنيسة الجديدة القائمة حاليًّا. هذا، بالإضافة إلى كنيسة ثالثة (أو التحتا) وقد بناها، على بعد كيلومتر واحد غربي الكنيسة القديمة، الخوري جرجس سركيس سمعان بو مرعب حرب حوالى عام 1885.
تابع: بناء معبد سيدة لبنان
شهدت درعون – حريصا بناء معبد سيِّدة لبنان في العام 1904، في مكان يقع على تلة حريصا يُعرف بٱسم “الصَّخرة” والذي كان مُلكًا لِفرنسيس يعقوب يونس القادم جَدُّه من تنورين، حوالى عام 1774، وقد باعها للبطريرك الماروني الياس الحوَيِّك بخمسين (50) ليرة ذهبية عثمانية. وقد أشار الرَّاهب اللبناني جورج الصَّغبيني، إلى أن فكرة تأسيس مزار للعذراء مريم في لبنان يعود إلى ما قبل عام 1904 عندما احتفلت الكنيسة الجامعة باليوبيل الخمسيني لإعلان البابا بِيُوس التاسع عقيدة الحبل بلا دنس في 8 كانون الأول/ديسمبر 1854.
ويُشير الخور أسقف يوسف داغر إلى أن الكثير من عائلات درعون أصلها من تنورين، وإلى أن التمثال الخشبي في كنيسة حريصا الكسروانية شبيهٌ جدًّا بتمثال سيِّدة حريصا في تنورين، وما يزيد من صحَّة الكلام عن أن سيِّدة لبنان قد نقلت أساسًا من أعالي تنورين.
من أين اتت تسمية حريصا؟
وهناك رواية شعبية يتناقلها البعض دون مراجع تاريخية لها تقول أنه عندما بوشر ببناء المزار كان رعاة ماعز من تنورين البترونية يقضون فصل الشتاء مع قطعانهم قرب مكان المزار وخلال تواجدهم مع المهندسين والعمال علموا انه يتم البحث بتسمية الموقع فاقترح أحد الرعيان اسم حريصا المزرعة في جرد تنورين التي يصعدون اليها صيفًا مع قطعانهم وفيها كنيسة أثرية على اسم السيدة العذراء معروفة بسيدة حريصا، أعجب الجميع بالاسم فكانت تلة حريصا التي تعود تسميتها الى جرود تنورين.
في المحصّلة: مهما تعددت الروايات يبقى الثابت أن اسم حريصا أتى من جرد تنورين
