متفرقات

اللغة الأم بين المستحى والتقدّم

الكاتب: سليمان جوزيف فرنجيه

اللغة الأم هي اللغة التي يتعلمها الفرد في الأعوام الأولى من العمر، والتي تكون عادة اللغة التي تتحدثها الأسرة أو المجتمع الذي ينشأ فيه الفرد، وهي اللغة التي تكون جزءًا من هويته وثقافته، وتؤثر على نمط تفكيره وتعبيره. أحد التعريفات المقبولة على نطاق واسع للمتحدثين الأصليين هو أنهم ولدوا في بلد معين (و) نشأوا وهم يتحدثون بلغة ذلك البلد خلال الفترة الحرجة من نموهم. يعتبر الشخص «متحدثًا أصليًا» للغة من خلال أن يولد وينغمس في اللغة أثناء الشباب، في عائلة يشارك فيها الكبار تجربة لغوية مماثلة للطفل. يعتبر المتحدثون الأصليون بمثابة سلطة في لغتهم المعينة بسبب عملية اكتسابهم الطبيعية فيما يتعلق باللغة، على عكس تعلم اللغة في وقت لاحق في الحياة. ويتحقق ذلك من خلال التفاعل الشخصي مع اللغة والمتحدثين بها. لن يكون المتحدثون الأصليون على دراية بالضرورة بكل قاعدة نحوية للغة، ولكن سيكون لديهم «الحدس» الجيد للقواعد من خلال تجربتهم مع اللغة.

لبنان وإشكاليته الثقافية، لبنان البلد الصغير في المساحة الكبير في المفعول. البلد صاحب 6000 سنة من الحضارات المختلفة والمتنوّعة عرف ثقافات ولغات عديدة. تدور في الأوساط الشعبية والاجتماعية الكثير من الجدالات العقيمة حول اللغة والثقافة والمرجع والدين الأساس للبلد. يقول مسلموه بأن لغتنا هي العربية ومسيحيوه هي السريانية أو اللبنانية أو غيرها. يقول بعض المثقفين بأننا فنيقيون. ماذا نريد أن نعرّف أنفسنا كلبنانيين.

لبنان هو بلد الرسالة كما دعاه القديس البابا يوحنا بولس الثاني هذا البلد الذي يجمع في ثقافته الشرق بالغرب. هذا المزيج الاستثنائي الذي يتفرّد به لبنان بين كل دول المنطقة. يرزح حاليا تحت ثقافة الجهل لهذه الثقافة الأصيلة التي هي أساس تكوينه. لبنان بلد التعدّدية الفكرية والثقافية، لماذا نغتاله هكذا؟ لماذا نسمح لثقافة الجهل بالولوج إلينا؟

بالنسبة لفئة من اللبنانيين أستشهد بكلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول اللغة الأم: “أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سنة 2014 عزم الحكومة التركية إحياء اللُغة التُركية العثمانية المكتوبة بأحرف عربية وإدراجها في المناهج التدريسية الرسمية في تركيا. وقد برر أردوغان هذا القرار بقوله أن «اللغة تعدّ بمثابة الوصف الرئيس للحضارة والذاكرة، بل والوصف الذي من خلاله تبنى الأمم، وبدونها تفنى». وأضاف قائلًا: «بسلبكم اللغة من مجتمع ما، تكونون قد سلبتموه حضارته وذاكرته. أقول هذا باعتبارنا أمة دفعت الثمن غاليًا لسلبنا لغتنا. فالاعتداء على لغة مجتمع ما يعني الاعتداء على دين هذا المجتمع وثقافته وفنونه وآدابه». وأضاف: «من الظلم البين للغات اعتبارها مجرد وسيلة تخاطب واتصال، لأن اللغة أكبر من ذلك، فهي حضارة وقلب وذاكرة. وديمومة الأمم والشعوب تكون في لغتها وعاداتها وتقاليدها وتنشئتها لأبنائها». كما تسائل أردوغان إن كان هناك شعب في العالم لا يستطيع أبناؤه أن يقرؤوا لغة أجدادهم التي كتبت قبل مئة عام فقط؟ مشيرًا إلى أن الأمة التركية باتت عاجزة عن قراءة ملايين الوثائق الموجودة في دور المحفوظات الضخمة في البلاد؛ وذلك لانقطاعها عن اللغة التي كُتبت بها”.

اللغة هي ركيزة الوحدة الوطنية، فهي تعبر عن هوية الشعب وتاريخه. عندما نتحدث بلغة واحدة، نتحد في أفكارنا ومشاعرنا. الوحدة الوطنية هي قوة تجمعنا وتجعلنا قادرين على مواجهة التحديات. كشعب، لدينا رسالة للعالم: أن الحب والتسامح والتعايش هي أسس بناء مجتمع أفضل. لنتحد في لغتنا وقلبنا، لنكون مثالاً للعالم في الوحدة والتضامن. لغة واحدة، قلب واحد، رسالة واحدة. رغم الاختلاف في الأصول والثقافة، يبقى الوطن هو الذي يجمعنا. في وطننا، نتشارك الحلم والهدف، ونعمل معاً لبناء مستقبل أفضل. الاختلافات التي بيننا هي ثروة، تثري حياتنا وتجعلنا أكثر تنوعاً وقوة. لنتحد في وطننا، ولنعمل معاً لتحقيق رسالتنا للعالم.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى