ضرورات تبريد “الرؤوس الحامية” في واشنطن وطهران وتل أبيب

كتب رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ :
صحيح أن الطرفين الأميركي والإيراني اتفقا على معاودة المفاوضات وفي سعي من الوسطاء لتقريب وجهات النظر حول قراءة “مذكرة التفاهم” ومضمونها وتفسير البند الخامس المتعلق بمضيق هرمز. إنما اللافت أن التوتر لا زال قائما. “فالهدنة انتهت” وفقا لما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهي ستكون مصحوبة بمحادثات تبحث عن قواسم مشتركة وغير ممكنة من دون تنازلات. كما أنها غير مضمونة النتائج القريبة.
حتى الآن السرديات الأميركية والايرانية محكومة بالتعارض الذي يحرص على تجنّب معاودة الحرب. غير أن هذه السرديات لا تحول دون احتمال مواجهات عسكرية عنيفة بين الطرفين ودون “حروب صغيرة” في أماكن أخرى على تخوم اليمن وفي لبنان والعراق وسوريا ودون تحريك للمعارضة الكردية والايرانية وفي منطقة الأهواز وكذلك لاصطفاف روسي وصيني إلى جانب ايران في مجلس الأمن تحت عنوان “إحياء دور هذا المجلس الذي تُهمّشه الولايات المتحدة بالإرتكاز إلى الهيمنة القطبيّة الأميركية”. ذلك أن الصين تعتبر أن الوضع يناسب فرض تعددية دولية وهي أقنعت روسيا بأن مكانها الحقيقي هو في حلف صيني-روسي-كوري شمالي وأن لا تقتنع بأن واشنطن تسعى إلى حل سلمي بين روسيا وأوكرانيا وفقا لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بل تدفع بحلف الناتو للإقتراب أكثر إلى حدود روسيا والصين في آن معا وخلق صراعات واختراق الداخل الروسي والصيني على السواء.
من هنا وإزاء التلويح الأميركي بتصعيد عسكري جديد نحو ايران تعتبر الصين نفسها مستهدفة بمصالحها ونفوذها ودائرة انتشارها الإقتصادي والعسكري. ولذلك لا تريد تسهيل مهمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في “تجديد” الأحادية القطبية الأميركية ولا في الأحلاف الجديدة التي يسعى إلى إقامتها ولا في حصاره لايران ولا في الضربات العسكرية الأميركية التي استهدفت سكك الحديد والموانئ التي تُشكّل عنصر الإمداد العسكري الصيني والروسي والكوري الشمالي لايران. ومثل هذا الموقف الروسي-الصيني-الكوري الشمالي الذي هو عنصر ضغط لصالح ايران لإيجاد توازن في المفاوضات وهو توازن يعتبر ترامب قد اختلّ وأصبح في صالح سياساته عبر السعي إلى تفكيك علاقة ايران بالدول الخليجية وترجيح الكفّة الأميركية في السلطة العراقيّة وفي سوريا وأخذ تركيا إلى سياسة أميركية نحو ايران ولبنان ودفع السلطة اللبنانية إلى مزيد من الرهان على واشنطن التي تحاول “احتواء النفوذ الاسرائيلي” في الجنوب اللبناني عبر الإقتراب من الثوابت التي وضعها الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون وعبر تعزيز المؤسسة العسكرية اللبنانية وردفها بحماية أميركية وبانتشار عسكري بريطاني متدرّج في المنطقتين الصفراء والزرقاء تحضيرا لانسحاب اسرائيلي كامل من الجنوب اللبناني ولمعالجة داخلية لحصرية السلاح عبر حوار داخلي لبناني.
إنما في لحظة التوتر الأميركي-الايراني هذه قد يلجأ رئيس الحكومة الاسرائيلية إلى تصعيد في الجنوب اللبناني خلافا للتوجّه الأميركي باحتواء النفوذ الاسرائيلي عبر تفويض لتركيا في لبنان بهدف تهدئة الوضع في الجنوب. فنتنياهو لا يرتاح لطموحات تركيا في إحياء “دور امبراطوري” لا في سوريا ولا في لبنان ولو كان بغطاء أميركي. ومن هنا هل في مقدور الرئيس ترامب أن يحول دون تطلّع رئيس الحكومة الاسرائيلية إلى احتلال تلة جبل الطاهر المشرفة على النبطية بهدف تعزيز ورقته الإنتخابية هو وحليفه اليمين الديني اليهودي؟ مسألة ينبغي التوقف عندها في الحسابات.
واضح أن الجميع في مأزق من الولايات المتحدة الأميركية إلى ايران واسرائيل ودول الخليج وتركيا. كما أن تداخل الأزمات وتشابكها يُحتّم مفاوضات معقدة تفترض معالجات أوسع ودخول لاعبين دوليين على المسرح بما فيه مجلس الأمن الدولي. وخصوصا في ظل غياب مرونة أميركية وايرانية وسرديات للحرب والمفاوضات مبالغ فيها. ولعل المخرج من تشابك الأزمات والمصالح مخرجه الممكن العملي هو المعادلة اللبنانية أي “لا غالب ولا مغلوب”. ومثل هذه المعادلة غير متوفرة حاليا بحكم هيمنة الرؤوس الحامية عند الجميع والتي تحتاج إلى تبريد.
عبد الهادي محفوظ
