المفتي دريان: المساس برئاسة الحكومة استهداف للوطن بكل طوائفه

أقامت المديرية العامة للأوقاف الإسلامية في لبنان احتفالاً بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف بحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان ورؤساء الحكومة السابقين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام وحسان دياب ووزير الداخلية احمد الحجار والعديد من النواب، ووزراء ونواب سابقين، ورئيس المحاكم الشرعية السنية الشيخ محمد عساف، ومفتي المناطق اللبنانية وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى وقضاة شرعيين ومدير عام الأوقاف بالتكليف الشيخ زهير كبي وعلماء وإعلاميين والعديد من الشخصيات، وذلك في قاعة مسجد محمد الأمين وسط بيروت.
ثم ألقى المفتي دريان كلمة قال فيها: “ايها الحضور الأكارم، نحن أيضاً نستقبل في ذكرى المولد النبوي الشريف، الجديد الكبير، كما استقبلته أجيال وأجيال على مدى التاريخ، ونستقبله في آفاق المستقبل. إن أمتنا وأوطاننا في هذه الحقبة، تواجه تحديات ما واجهت مثلها منذ أزمنة بعيدة. أمامنا حرب الإبادة في غزة، والحرب المشتعلة في لبنان، حيث يسقط ضحية كل يوم. لكن أمامنا وعندنا عهد جديد، صمم رئيسه وصممت حكومته ورئيسها على التغيير، والخروج من حالة الجمود التي تحكمت بالبلاد والعباد من سنوات وسنوات. نحن مع هذا الرئيس وهذا العهد، وهذه الحكومة ورئيسها في مساعيهم لوقف العدوان الصهيوني وتحرير الأرض، وفرض سلطة الدولة على كل الأراضي اللبنانية. ونحن مع الرئيس والحكومة ورئيسها في جهود الخروج من المأساة الاقتصادية والمعيشية. ونحن مع الجديد في العلاقة بالشقيقة سورية. ونحن مع العلاقات التي تتوثق كل يوم بالمملكة العربية السعودية، المملكة التي دأبت على خدمة الحرمين الشريفين، وتعمل على أن تكون سائر ديار العرب والمسلمين في مواقع العزة والأمان، وهذا هو معنى التحالف الدفاعي الجديد مع تركيا وباكستان”.
وأردف: “أيها الحضور الأكارم، إنه في الوقت الذي نواجه فيه تحديات الحرب والاحتلال، نجد أن مشكلات كبرى مضت عليها أعوام وأعوام، تجد حلا مثل قانون العفو العام، الذي كنا نطمح أن يكون أقوى وأوسع وأشمل؛ لكنه حل ما جرأت عليه عهود وحكومات من قبل. ونحن نطمح أن تجد العدالة في جريمة انفجار المرفأ، ما يعيد بعض السكينة إلى قلوب المصابين وعقولهم”.
أكمل: “فالجديد الجديد الذي بشر به هذا العهد، ومشت فيه هذه الحكومة ورئيسها، يستحق أن يجد تصديقا وثقة أيضا في واقعة المرفأ الهائلة”.
أضاف: “أيها الحضور الأكارم، لا بد من أن نمتلك شجاعة الأمل، وشجاعة السلم. وذوو الخبرة منكم يعرفون أن السلام يكون في الكثير من الأحيان أصعب من الحرب. ويظن كثيرون اليوم أن اندفاعات الأفعال وردود الأفعال، هي الأولى بالاعتبار. فقرار المهادنة لوقف الاعتداءات والتدمير الهائل قرار شجاع، أما قرار الحرب فقد لا يكون هو الملائم حالياً للحياة الحرة والكريمة، والمستقبل الواعد”.
وقال: “في تراثنا تمجيد كثير وكثير للحرب والجهاد. لكن تاريخنا يمجد أيضا أولئك الذين صنعوا السلم مثل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، الذي أوقف القتال بالداخل، وأعاد الجيش الذي كان يحاصر القسطنطينية. ولست أقول هذا لأدين أو أرحب بهذا التصرف أو ذاك، بل لأقول: إنه وسط المعاناة الكبيرة فإن مسعى الحكم اللبناني لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والتدمير الهائل هو مسعى شجاع وحكيم، بعد أن دمرت حروبنا بالداخل وعلى الخارج، ما لا يمكن استعادته ولا نسيانه. إنه سبيل بعد كل الحسابات، ولا مخرج غيره، وهو يتطلب الصبر، ويتطلب التحمل، وينظر بعيون الغد، عيون أطفالنا وشيوخنا، الذين ما عرفوا غير سبيل واحد، هو سبيل العنف والدمار، وآن لهم أن يأملوا بمستقبل أفضل”.
أكمل: “أيها الحضور الأكارم، إن دار الفتوى تعد أي استهداف لرئاسة الحكومة، هو استهداف للوطن بكل طوائفه، وترفض أيضا استهداف أي من الرئاسة الأولى والثانية. وتعد التعاون والتنسيق بين الرئاسات الثلاثة هما ضمان وحدة لبنان، ووحدة أبنائه، للخروج من أزماته المتلاحقة. وهو ما نحرص عليه دائما. وستبقى دار الفتوى مستمسكة برسالتها الدينية، وسائرة على نهجها الإسلامي والوطني الوسطي المعتدل، مهما اشتد وقع السهام المغرضة عليها”.
واشار إلى أنّ “لمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، مولد الفرح والجديد، أريد أن أتعرض اليوم لما يحيط بدار الفتوى من استقطابات لا تستحقها. دار الفتوى، ورئاسة الحكومة، وبسبب الحروب والفتن، قدمت قتلى كانوا يعملون من أجل السلم والأمن. هذه الدار حصن من حصون الوطنية، القائمة دائما على السلم والتعافي، وكراهية الفرقة بين المواطنين، والاحترام لكل ذوي النوايا والأعمال الحسنة. والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى عماد دار الفتوى منذ المرسوم الاشتراعي رقم 18 عام 1956، هو سيد نفسه، ويملك صلاحيات تشريعية واضحة. ويمكن بالقليل والضئيل من التفكير والتأمل، والنظر بعيون العقل والمستقبل والمراجعة، أن يحفظ للدار العريقة احترامها، وإبعادها عن الانقسامات والتحديات. فالدين متنفسه قوة ناعمة. ونعلم جميعا كم عانى ويعاني عندما أدخل في دوامة الانقسامات، لتسويغ العنف والفرقة، وتحديات النزاع مع الدول والمجتمعات. فلنحفظ لدار الفتوى استقلالها وسلامها لكي تبقى حافظة وحدة المسلمين، وعاملة من أجل خير الوطن والمواطنين”.
وتابع: “لا أحد منا يريد أو يقبل هذه الأجواء من الانقسام الوطني، وعلى قضايا خطيرة تتعلق بهيبة الدولة وصلاحياتها في السلم والحرب، وتتعلق بوجود لبنان ومستقبله، ليس لنا في هذا الوطن العزيز على قلوب اللبنانيين غير هذه السلطة المنتخبة، فلتبق هي المظلة التي تقينا العواصف والاختراقات”.
