متفرقات

لبنان في عين العاصفة… صراع على القرار والهوية!

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتداخل خطوط النار مع مسارات التفاوض، ويُعاد رسم موازين القوى على وقع التصعيد، يقف لبنان عند مفترق بالغ الحساسية، يتجاوز في دلالاته حدود المواجهة العسكرية المباشرة. فالتطورات الأخيرة لا يمكن قراءتها كجولات قتالية معزولة، بل كمؤشرات على تحوّل أعمق في بنية الصراع، يطال موقع لبنان ودوره ووظيفته ضمن المشهد الإقليمي الأوسع.

 

في هذا السياق، تتقدّم الأسئلة الكبرى على ما عداها: من يملك قرار الحرب والسلم؟ وهل ما يجري هو محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة تمهيدًا لمسار سياسي مختلف؟

 

انطلاقًا من هذه الخلفية، يقدّم العميد الركن المتقاعد بهاء حلال قراءة تحليلية تتجاوز ظاهر الأحداث، لتغوص في ديناميات التصعيد، وتفكّك تشابكاته الإقليمية والدولية، وتضع الداخل اللبناني في قلب معادلة إعادة التشكيل الجارية، حيث لم تعد المعركة محصورة على الحدود، بل باتت تدور أيضًا داخل بنية الدولة نفسها، وعلى تعريف دورها في المرحلة المقبلة.

 

تفكيك ديناميات التصعيد وإعادة تشكيل الدور اللبناني

 

وفي قراءة تجمع بين البعد الإنساني والسياسي، يؤكد العميد حلال، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن ما يشهده لبنان اليوم لا يمكن اختزاله في إطار تصعيد عسكري عابر، بل يندرج في سياق تحوّل بنيوي عميق في قواعد الاشتباك الإقليمي، ومحاولة واضحة لإعادة تعريف الجهة التي تملك قرار الحرب والسلم في لبنان.

 

وينطلق حلال من موقعه كمواطن جنوبي فقد قريته تحت وطأة التدمير، ليشير إلى أن ما يجري يتجاوز الميدان ليطال بنية النظام الإقليمي وانعكاساته على الداخل اللبناني.

 

اتفاقات مؤجلة وصراع على الشروط

 

في مقاربة لمشهد “الاتفاق المؤجل”، يلفت حلال إلى أن ما يُحكى عن تفاهم إيراني–أميركي بوساطة باكستانية يندرج ضمن نمط مألوف في إدارة الأزمات، يقوم على تجميد الصراع مرحليًا بانتظار تسويات أوسع. إلا أن هذا النوع من التفاهمات، بحسب رأيه، يبقى هشًا، لأنه لا يعالج جذور النزاع بل يؤجله.

 

ويعتبر أن العامل الحاسم في هذا السياق كان الرفض الإسرائيلي، الذي يعكس استراتيجية ثابتة تقوم على رفض إدخال لبنان في أي مظلة تهدئة لا تكون إسرائيل ممسكة بمفاتيحها، والسعي إلى فصل المسار اللبناني عن الإيراني، بالتوازي مع استثمار اللحظة التفاوضية لفرض وقائع ميدانية جديدة.

 

تحول مركز القرار وإعادة رسم قواعد الاشتباك

 

ويشير حلال إلى أن الاتصال الذي جمع بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، وفق السيناريو المطروح، يكشف عن خلل في مركز القرار داخل المعسكر الغربي، ويعكس حجم التأثير الإسرائيلي في توجيه مسار الأحداث.

 

ويحمل السماح بضرب بيروت، بهذا الحجم، دلالات استراتيجية واضحة، أبرزها نقل المعركة من الأطراف إلى المركز، أي من الجنوب إلى العاصمة، بهدف كسر البيئة الحاضنة، وإعادة فرض معادلة الردع عبر الصدمة، فضلًا عن تقويض أي مسار تفاوضي لا تمر عبره إسرائيل بشكل مباشر.

 

استهداف المدنيين كأداة ضغط

 

وفي سياق متصل، يرى حلال أن استهداف مناطق مدنية مكتظة، مثل برج أبي حيدر والمصيطبة وكورنيش المزرعة، لا يمكن اعتباره عشوائيًا، بل يندرج ضمن استراتيجية ضغط نفسي واجتماعي تهدف إلى دفع الرأي العام نحو الانقسام.

 

كما يسعى هذا النهج، بحسب تحليله، إلى إعادة ترتيب أولويات الدولة اللبنانية، من التفاوض السيادي إلى احتواء التداعيات الإنسانية، إضافة إلى خلق فجوة بين المقاومة وبيئتها عبر رفع كلفة المواجهة.

 

محاولة سحب الورقة الإيرانية

 

ويعتبر حلال أن أي توجه لاستبعاد إيران من التفاوض حول لبنان يشكل تحولًا مفصليًا، يهدف إلى تفكيك ما يُعرف بوحدة الساحات، وإعادة “لبننة” الملف شكليًا، ولكن ضمن شروط إسرائيلية.

 

إلا أن هذا المسار، وفق رأيه، يصطدم بحقيقة أن إيران لا تنظر إلى لبنان كملف مستقل، بل كجزء من منظومة ردع إقليمية، ما يعني استمرار الدعم غير المباشر لحلفائها، وتعطيل أي تسوية لا تراعي مصالحهم، مع الإبقاء على عناصر القوة بيدهم.

 

الانقسام الداخلي كهدف استراتيجي

 

ويحذّر حلال من أن أخطر ما في المرحلة الراهنة لا يكمن في القصف بحد ذاته، بل في تداعياته الداخلية، حيث يُعاد إنتاج الانقسام اللبناني حول تعريف العدو، ودور المقاومة، وطبيعة الدولة.

 

ويرى أن هذا الانقسام ليس نتيجة عرضية، بل هدف استراتيجي بحد ذاته، لأنه يحقق ما عجزت عنه المواجهة العسكرية، أي تفكيك الداخل اللبناني.

 

ماذا تريد إسرائيل؟

 

انطلاقًا من مجمل المعطيات، يخلص حلال إلى أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية: فرض منطقة عازلة في الجنوب بشكل فعلي، إضعاف حزب الله من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وفرض مسار تفاوضي مباشر مع الدولة اللبنانية بشروط أمنية مشددة.

 

سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات

 

وفي ما يتعلق بالمرحلة المقبلة، يطرح حلال ثلاثة سيناريوهات محتملة:

 

أولها، استمرار التصعيد المضبوط، حيث تتواصل الضربات المحدودة بالتوازي مع مفاوضات بطيئة.

 

ثانيها، الانفجار الكبير، في حال توسع الردود وتدحرجت المواجهة إلى نطاق إقليمي.

 

أما الثالث، فهو التسوية القسرية، عبر ضغوط دولية تدفع لبنان إلى قبول ترتيبات أمنية جديدة.

 

الداخل اللبناني: جمر تحت الرماد

 

على الصعيد الداخلي، يصف حلال الوضع بأنه “جمر تحت الرماد”، حيث تتراكم التوترات السياسية والطائفية والمؤسساتية في ظل هدوء هش.

 

وفي هذا الإطار، يتوقف عند موقع الجيش اللبناني، معتبرًا أنه يؤدي دورًا دقيقًا يقوم على حفظ التوازن الداخلي ومنع الانزلاق إلى صراع داخلي، مع الحفاظ على شرعيته الدولية.

 

ويشير إلى أن الضغوط الخارجية على المؤسسة العسكرية لا تعني بالضرورة الدفع نحو مواجهة مع حزب الله، نظرًا للكلفة العالية لمثل هذا الخيار، والتي قد تصل إلى حد تفكك المؤسسة نفسها، كما حصل في محطات سابقة من تاريخ لبنان.

 

الضغط المركّب وإعادة تشكيل التوازنات

 

ويعتبر حلال أن المقاربة الغربية تقوم على “الاحتواء” بدل المواجهة المباشرة، من خلال تقوية مؤسسات الدولة، وفرض مسارات تفاوضية جديدة، واستثمار الأزمات الاقتصادية كأداة ضغط.

 

ويشير إلى أن لبنان بات اليوم نقطة تقاطع بين ثلاثة مستويات: إقليمي، ودولي، ومحلي، ما يجعل أي تطور داخلي مرتبطًا بشكل مباشر بالتحولات الخارجية.

 

وفي هذا السياق، يتحدث عن سيناريو “الضغط المركّب”، الذي يجمع بين الضغط العسكري المحدود، والدفع السياسي نحو التفاوض، والتصعيد الداخلي في ملف السلاح، وربط الدعم الاقتصادي بشروط سيادية.

 

بين الانفجار وإعادة التشكيل

 

ورغم خطورة المشهد، يرى حلال أن هناك عوامل تحول دون الانزلاق السريع إلى انفجار داخلي، أبرزها ذاكرة الحرب الأهلية، وتوازن القوى الداخلي، والإدراك الدولي لمخاطر انهيار لبنان.

 

ويخلص إلى أن البلاد لا تتجه بالضرورة إلى انفجار فوري، بل إلى مرحلة إعادة تشكيل بطيئة وخطيرة، تتراكم فيها الضغوط على الدولة والمجتمع.

 

معركة على هوية لبنان

 

ويختم حلال بالتأكيد على أن المعركة لم تعد محصورة على الحدود، بل باتت داخل البنية اللبنانية نفسها: معركة على القرار، وعلى الشرعية، وعلى شكل الدولة.

 

ويطرح السؤال الجوهري: هل يبقى لبنان ساحة لتصفية الحسابات، أم يتحول إلى طرف فاعل في رسم توازناته؟

 

وفي مشهد يلخّص المأساة، يشير إلى أن القرى التي دُمّرت، كما قريته، لم تكن يومًا في قلب القرار، لكنها دائمًا في قلب النار، محذرًا من أنه ما لم يُحسم داخليًا سؤال من يملك القرار، سيبقى الجنوب وربما بيروت مجرد ورقة على طاولة الآخرين

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى